الثلاثية العائلية

الثلاثية العائلية
د. يوسف حسن العارف
(1) بين يدي ثلاثة مشاريع معرفية.. وأدبية تجمعهم الروح العائلية، زوج وزوجة، حبيبان تقاسما شجن الحياة، وبآخرة استجابا لنداء الفكر والثقافة والشعر فأنجز كل منهما مشروعه الذي سنتعرف عليه…!!
الدكتور يعن الله سعيد الغامدي، الشاعر والكاتب الصحفي، والمعلم الخبير في معاهد التَّعليم التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود. أصدر ديوانه الشعري الأول (سلام على رغدان) عام 1440هـ، وفي عام 1442هـ أعاد طبعه.. وعبر عنوانه/ العتبة النصيَّة الأولى،نجد الاحتفاء بالمكان (رغدان) قريته الريفيىة في منطقة الباحة.. فيعيد إحياءها بصور شاعرية متميزة مرة في ذكريات والده (يرحمه الله) حيث يقول:
رضيت بالطائف السكني وما علموا أن (البلاد) ينت في القلب (رغدانا)
ويقول:
كم مرة يا أبي شرَّفت (قريتنا) إن الرماية قدأعطتك تيجانا
قصيدة (ثقوب في جدار الحزن ص ص 15-19).
ومرة في القصيدة التي يحمل الديوان اسمها: (سلام على رغدان)، حيث يتذكر فيها ملاعبه وطفولته وقبيلته (بني خثيم)، ويتذكر (سوق رغدان) .
ويختمها بقوله:
يا قريـــــــتي رغــــــدان كل أحبتـــــــــي في القلب من شيبٍ وشبان
(رغدان) يا نبعاً على صدر الثرى لازال روضك مورق الأفنـــان
بيني وبينك يا حبيبة خاطـــــــــــري جسرٌ من الذكرى وقلبٌ حانٍ
وعلى العموم: الديوان يحمل باقة منوعة من الشعرالعاطفي، والوجداني وشعر الوصف والإخوانيات. ونلمس فيها الروح الشاعرية، والعاطفة اامتدفقة والمعاني الجزلة.
ولعلي أقف مع أحد النصوص الفاتنة لتركيبها السطري، وروحها التفعيلية، وحداثتها المضمونية، يقول فيها:
يا وطناً موصولاً في قلبي
با سيفاً مصقولاً في جبيني
با شمساً تتألق بين هلالين
با قمراُ يغرق في ماءٍ وطينِ
يا ذكرى قريتنا الرغداء
با أول حب يكتنبي في دفتر تأمينِ
إلى أن يقول:
حدثني عن:
ماء كان على صخر يابسة/ عن مُزْنٍ عابسةِ/
مرت بجوار جدار يتوسل دون كلام
وعصاة تتسول كالإبهام
حدثني عن أنثى طبعت تاريخاً ببسالة.
… إلخ النص/ القصيدة التي تستوحى تجربة القصيدة النثرية، والكتابة السطرية، وحداثة الموسيقى الوزنية/ الداخلية!!
الديوان مليء بالجماليات الشعرية ويستحق من القارئ المحب للشعر أن يكون أحد مقروءاته ومثاقفاته التكوينية.
* * *
(2) والكتاب الثاني للدكتور يعن الله الغامدي هو كتاب: رحلة الحروف (أوراق صحفية)، الصادر عام 1441هـ/2020م،وهو مجموعة من المقالات والكتابات الصحافية التي نشرها في الصحف المحلية والدوريات المعرفية.. وأذكر أننا تناقشنا كثيراً يوم فَكَّرَ الطبع في الجمع والنشر،وجلسنا ملياً في اختيار العنوان فكان(رحلة الحروف).وهو عنوان جامع مانع جاذب، فيه إيحاء بقدرة الحرف والكلمة على تجاوز الحدود في (رحلة) متنامية ومتعاقبة تأتي بالجديد والمفيد!!
وإذا تعمق القارئ في متونها، وارتاد آفاقها، سيجد (الوطن السعودي)/هو المفتاح الحقيقي والسحري لتداول مقالاته وكتاباته. فمثلاً عن الطائف والرحلة التنموية والطفرات الاقتصادية، جعلت منه متنفساً صيفياً استحقت عليه لقب (عروس المصايف). ومقالاته عن الأيام الوطنية وكيف تُسْتَثْمَر لبث الروح الوطنية وغرسها في نفوس الشباب والناشئة. ومقالاته عن المعرفة والتكوين اللغوي، والاعتزاز بلغتنا العربية وفيها دعوة ثقافية للتمكن والانتماء.
ومن هنا نقول إننا أمام تشكيلة معرفية عبر هذه المقالات الصحفية التي بلغت (69 مقالاً) يجد فيها القارئ معارف وخبرات واقتراحات وتنبؤات.. وخلاصات فكرية،وتجارب حياتية لا تخلو من الفائدة.
* * *
(3) والكتاب الثالث في هذه (الثلاثية العائلية)، هو ديوان شعر أنيق/ رقيق/ يحمل عنوان: (إضاءات إيمانية وومضات وجدانية)/ (رباعيات شعرية)، للشاعرة نوال بنت صالح العشماوي، وهي زوجة الدكتور يعن الله الغامدي، وأخت الشاعر عبدالرحمن العشماوي.. ومن هنا جاءت الموهبة الشعرية، فهي من بيت علم ودين وشعر وزوجة شاعر وكاتب وأديب!!
طبع الديوان في العام 1447هـ/ 2025م، ولقي صدىً وتفاعلاً إيجابياً عند القراء والقارئات، لأنه يحمل بصمة دينية وإيمانية، تنبض بالمعاني السماوية، والدَّعوات الروحانية، والتجليات الشعرية، في قصائد وامضة/ مختصرة/ رباعية معبرة، بلغت عدداً (180 رباعية)!! وهذه يسميها النقاد شعرالومضة أو (ق,ق.ج/ قصيدة قصيرة جداً)، وأعتقد أن مثل هذذه القصائد الرباعية هي ما يحتاجه القارئ في عصر السرعة والتعجل وتحول اللحظة إلى وقت طويل!!
تقول الشاعرة في نص افتتاحي:
خُطَا قلمي تسير على السطور
تبوح بكل صدق عن شعوري
وتكشف عن كنوز في فؤادي
تدندن بين حزن أو سرور
وتلثم زهرة تهدي عطوراً
فيسري في دمي أغلى الزهور
أخط مشاعراً في حسن قول
بحبٍّ وانشراح في الصدور
هنا تضع الشاعرة خريطة ذهنية (Gogle maps)، أو شجرة معرفية يستضيء بها القارئ عندما يدخل إلى صلب وفضاءات الديوان، فيجد الإيمانيات، والروحانيات ويحد الومضات الإخوانية، والتعالقات الوجدانية، كما يجد الفيوضات المشاعرية تجاه الكون والحياة والإنسان.. وكل ذلك في قصائد موزونة منتقاة لا تزيد عن (أربعة أبيات)، تتكثف فيها المعاني، وتتوسع الدلالات وضوحاً ومعقولية، ويمكن أن تعبِّر هذه الرباعية عن كثير من قصائد الديوان، تقول في القصيدة 96/ ص 122، بعنوان: لباس التقوى:
كَسْبُ التجارة طيبٌ ومحببُ لكنما كسب الفضائل أجمل
واللونُ في الأزهارحلوٌ ناضرٌ لكنما طبع المروءة ـأكملُ
ومن اللباس حفاوة وأناقةٌ لكنما التقوى لباسٌ أسلَمُ
والعيش في الدنيا يفيض نعيمَهُ لكنماجنات عدن أعظمُ
فمن العنوان (لباس التقوى) يتضح (التناص القرآني) في قوله تعالى: “… ولباس التقوى ذلك خير…” الأعراف الآية 26.. ثم تتنامى هذه المقطوعة الشعرية داعية إلى الخير والتقوى وفيها ثنائيات تقابلية تبين العلاقة بين مؤشرات الجمال والخير وتجليات التقى والصلاح .
ف/ التجارة جميلة/ لكن كسب الفضائل أجمل
والألوان الزهرية حلوة ناضرة/ لكن طبع المروءة أكمل
وجمال اللبس والأناقة سليمٌ/ لكن لباس التقوى أسلم
والنعيم الدنيوي عظيم/ ولكن جنات الخلد أعظم
قصيدة لطيفة فيها دعوة وموعظة، ولكن بأسلوب شعري رصين، وقافية متحركة في البيتين الأولين على قافية (لامية)، وفي البيتين الأخيرين على قافية (ميمية).. وهذا يزيد القصيدة جمالاً وإبداعاً حيث تتحرك الشاعرة في فضاء أسلوبي وشاعري مقبول قرائياً.
والديوان مليء بالمعاني الجميلة وتستحق الوقوف النقدي معها، ولكن (يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق)!! وندع للقارئ والقارئة فرصة التداخل مع جماليات القصائد الرباعية، وفضاءاتها الإيمانية.
وأخيراً: نحن أمام تجربة أسرية، جمعتهما الشاعرية والأدب والصحافة والفكر والثقافة.. فأنتجا لنا هذه الكتابات، وقدماها للمجتمع الفكري.. ولعلَّنا نحظى بأكثر من هذه (الثلاثية) لنسعد بقراءتها والتعريف بها احتفاءً بالمؤلِّف.. وبالمنجز التأليفي.
والحمد لله رب العالمين.
كاتب رأي



ما شاء الله تبارك الرحمن
شكرًا دكتور يوسف على هذه الإطلالة الجميلة، وهذه الإضاءات
والدكتور يعن الله أستاذ وتربوي يجمع إلى العلم والأدب الثقافة والفكر ، ويزيده جمالًا ما يتميز به من خلق حسن
وقد شرفت بالدراسة على يديه في معهد الطائف العلمي قبل خمسين عاماً وكان مع ثلة من الأساتذة الذين سطروا أجمل السِّيَر في رحلة التعليم والتربية
شكرًا دكتور يعن الله زادك الله بسطة في العلم والفضل والحكمة
شكرًا دكتور يوسف على هذه الإفادة القيمة
شكرا د يوسف على مشاركتنا هذا الابداع والتوفيق للأديب والشاعر. الدكتور يعن الله الغامدي.. ….فعلا تفوح مؤلفات الشاعر الدكتور يعن الله الغامدي بعبق الأصالة والإبداع، حيث يمتزج عمق الفكر بجمال الكلمة وعذوبة القافية. إن كتبه ودواوينه الشعرية ليست مجرد نتاج أدبي، بل هي منارات ثقافية تثري المكتبة العربية وتلهم أجيالاً من محبي الحرف والكلمة الصادقة.