كُتاب الرأي

المكانة لا تُحفظ

المكانة لا تُحفظ

بقلم: عبدالعزيز الموسى

يبدو النجاح في صورته المعتادة لحظة وصول: شهادة تُنال، أو منصب يُبلغ، أو مشروع ينجح، أو اسم يكتسب حضورًا ومكانة. لكن الوصول، مهما كان مهمًا، لا يجيب عن السؤال الأصعب: ماذا يفعل الإنسان بعد أن يصل؟

هنا يتحول النجاح من غاية إلى مسؤولية. فالوصول له نقطة يمكن تحديدها، أما الاستمرار فلا نهاية له. قد ينجح الإنسان بأدوات كانت مناسبة لزمن معين، ثم يجد أن الزمن نفسه قد تغير، وأن ما صنع مكانته بالأمس لم يعد كافيًا لصيانتها اليوم. تتغير المعرفة والأدوات، وتتبدل المنافسة، وتتغير حاجات الناس، ويتطور الإنسان نفسه. ولذلك فالنجاح السابق يمنح صاحبه رصيدًا، لكنه لا يمنحه ضمانًا للمستقبل.

وتظهر هذه الفكرة في تجارب الذين لم يتعاملوا مع إنجازاتهم بوصفها نهاية الطريق. فالملك عبدالعزيز، بعد استرداد الرياض، لم يتعامل مع الإنجاز باعتباره غاية مكتملة، بل واصل مشروع توحيد البلاد حتى إعلان المملكة العربية السعودية في سبتمبر عام 1932م، ثم بدأت مسؤولية أخرى: بناء الدولة وترسيخ كيانها، الذي امتد حتى عهد الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله – في رؤية السعودية 2030. وهكذا تحول الإنجاز من محطة وصول إلى بداية متجددة إلى رؤية إستشرافية.

وفي تجربة نيلسون مانديلا صورة أخرى لمعنى استمرار الدور؛ فقد انتقل من سنوات النضال والسجن إلى قيادة الدولة، ثم من مواجهة الخصم إلى قيادة المصالحة وبناء الأمة، في انتقال من وظيفة تاريخية إلى وظيفة جديدة فرضها زمن جديد.

ومن هنا يمكن التمييز بين فريقين: من يريد أن يحافظ على ما حققه، ومن يريد أن يحافظ على قدرته على تحقيقه. الأول يحرس النتيجة ويخشى التغيير لأنه يهدد الصورة التي صنعها، والثاني يحرس الأسباب ويقبل التغيير لأنه يدرك أن الجمود أخطر على المكانة من التغيير نفسه.

ولهذا فإن التعلم المستمر، والمبادرة، ومراجعة الذات، وتطوير الأدوات ليست مجرد وسائل للوصول إلى النجاح؛ إنها وسائل لإعادة إنتاجه. والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه الناجح على نفسه ليس فقط: ماذا أنجزت؟ بل: هل ما أقدمه اليوم يستحق الثقة التي صنعتها بالأمس؟

فالنجاح حين يتحول إلى يقين مكتمل قد يجعل الإنسان أسير صورته القديمة، مقيدًا بماضيه بدل أن يصنع مستقبله.

والمكانة في جوهرها ليست ملكية شخصية يحتفظ بها الإنسان إلى الأبد. صحيح أن اعتراف الآخرين وثقتهم هما ما يمنحانها طابعها الخارجي، لكن الإنسان لا يملك السيطرة على هذا الاعتراف؛ إنه يملك شيئًا واحدًا: الأسباب التي تجعله ممكنًا. فالكاتب يجدد أهليته بما يكتب، والأستاذ بما يضيف، والباحث بما يكتشف، وكل إنسان بما يقدمه في مجاله. وحين يلتقي الداخل بالخارج، تصبح المكانة استحقاقًا متجددًا لا رصيدًا جامدًا.

وهنا يتضح الفارق الحقيقي: الثبات هو أن تبقى كما أنت، أما الاستمرار فهو أن تبقى قادرًا على التطور. ليس المطلوب أن تكرر نجاحك بالطريقة نفسها، وإنما أن تظل قادرًا على إنتاج قيمة جديدة في زمن جديد.

فالنجاح السابق يقول للإنسان: لقد استطعت. أما الزمن فيسأله: هل ما زلت تستطيع؟

وربما لا يكون النجاح، في نهايته الأعمق، أن يحافظ الإنسان على مكانته إلى أن يموت، بل أن يظل إلى آخر حياته قادرًا على أن يمنح استمراره سببًا جديدًا كل يوم.

فالمكانة لا تُحفظ؛ وإنما تُستحق من جديد.

إلى اللقاء

كاتب رأي 

 

 

عبدالعزيز الموسى

كاتب رأي وعضو التوجيه والإرشاد بالحرمين الشريفين سابقا

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.