ما بعد التشخيص

ما بعد التشخيص
كيف نتعامل مع الضغوط النفسية في عصر التحولات الكبرى؟
بعد نشر المقال السابق “مجتمع الإنجاز الدائم
كيف تحوّل الضغط النفسي من حالة فردية إلى ظاهرة عامة؟” والذي تناولت فيه تحوّل الضغط النفسي من حالة فردية إلى ظاهرة اجتماعية واسعة، تلقيت رسالة كريمة من الصديق العزيز، سعادة السفير الدكتور طارق علي بخيت، الأمين العام المساعد لمنظمة التعاون الإسلامي للشؤون الإنسانية والثقافية والاجتماعية وشؤون الأسرة، والمبعوث الخاص للمنظمة إلى جمهورية أفغانستان. وقد أشاد سعادته بالمقال وما تضمنه من محاولة لتشخيص الظاهرة وتحليل بعض أسبابها، ثم اقترح أن يتبع ذلك حديثًا عن الحلول الممكنة. كما أشار إلى عدد من الملاحظات المهمة التي توسّع دائرة النقاش من الفرد إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الثقافة والقيم التي تشكل نظرتنا إلى الحياة ذاتها.
فثمة ميل متزايد إلى تفسير الضغوط النفسية باعتبارها مشكلة شخصية خالصة، وكأنها نتيجة مباشرة لضعف الإرادة أو سوء إدارة الوقت أو نقص المهارات الفردية. ولهذا تمتلئ المنصات الرقمية وكتب التنمية الذاتية بالنصائح التي تدعو إلى مزيد من التنظيم والإنتاجية والانضباط، وكأن الحل دائمًا أن يبذل الإنسان جهدًا أكبر.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
فحين ترتفع معدلات القلق والإرهاق بين فئات واسعة من الناس في الوقت نفسه، يصبح من الصعب ردّ الظاهرة إلى أسباب فردية فقط. فبيئات العمل، وأنماط التعليم، وطبيعة المدن الحديثة، وسرعة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، كلها عوامل تساهم في تشكيل التجربة النفسية للإنسان المعاصر.
ولعل أحد أبرز أسباب الضغوط اليوم أن معايير النجاح والرضا عن النفس ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة. فلم يعد المطلوب من الإنسان أن يعيش حياة مستقرة ومنتجة فحسب، بل أن يكون متفوقًا باستمرار، ومتجدد المهارات، ومواكبًا لكل جديد، وقادرًا على المنافسة في مجالات متعددة في الوقت ذاته.
في أزمنة سابقة كانت الحياة أبسط، وكانت معايير النجاح أكثر وضوحًا وحدودًا. أما اليوم فقد اتسعت دائرة التوقعات إلى حد أصبح معه كثير من الناس يشعرون بأنهم مطالبون بالنجاح في كل شيء وفي كل وقت. وحين تتجاوز متطلبات الرضا حدود الطاقة البشرية الواقعية، يتحول السعي إلى الإنجاز من مصدر للتحفيز إلى مصدر للاستنزاف.
ومن مفارقات عصرنا أننا نعيش في زمن تتوسع فيه الفرص كما لم تتوسع من قبل، وفي الوقت نفسه تتسع فيه دائرة القلق. فالأجيال الجديدة تمتلك فرصًا تعليمية ومهنية ومعرفية لم تكن متاحة لمن سبقها، لكن هذه الوفرة نفسها أنتجت نوعًا جديدًا من الضغوط. فالشاب اليوم لا يخشى الفشل فقط، بل يخشى أن يختار الطريق الخطأ، أو أن تضيع عليه فرصة أفضل، أو أن يكون الآخرون قد سبقوه إلى ما كان يطمح إليه.
وقد زادت وسائل التواصل الاجتماعي الطين بلةً والسقم علةً في هذه الحالة. فهي لا تعرض الحياة كما هي، بل تعرض غالبًا أكثر لحظاتها بريقًا ونجاحًا. وبينما يعيش الإنسان تفاصيل يومه بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات، يجد نفسه يقارن حياته الواقعية بصور منتقاة من حياة الآخرين. وهكذا تتحول المقارنة من وسيلة للتعلم والإلهام إلى مصدر دائم للضغط والشعور بالتقصير.
لكن من الخطأ أيضًا أن يتحول هذا النقد إلى موقف سلبي من الطموح أو الإنجاز. فالمجتمعات لا تتقدم دون طموح، ولا تنهض دون عمل ومنافسة وابتكار. وما تشهده المملكة العربية السعودية اليوم من تحولات تنموية واقتصادية واسعة، خاصة في رؤية السعودية 2030، يؤكد أهمية الطموح الفردي والجماعي في صناعة المستقبل والاستفادة من الفرص التي تتيحها مشاريع التنمية الكبرى.
المشكلة ليست في الطموح نفسه، بل في فقدان التوازن بين الطموح والقدرة البشرية على الاحتمال. فالإنسان يحتاج إلى الإنجاز كما يحتاج إلى الراحة، ويحتاج إلى التنافس كما يحتاج إلى الاستقرار، ويحتاج إلى التفكير في المستقبل دون أن يفقد قدرته على عيش الحاضر.
ومن هنا ربما يكون من المفيد إعادة النظر في فكرة أخرى شائعة، وهي أن الضغوط النفسية شر مطلق يجب التخلص منه بالكامل. فالحياة نفسها تنطوي على قدر من الضغوط لا يمكن إلغاؤه. فالزواج مسؤولية، وتربية الأبناء مسؤولية، والعمل الجاد مسؤولية، وبناء مشروع جديد مسؤولية، وخدمة المجتمع مسؤولية. وكل ما له قيمة في الحياة يتطلب قدرًا من الجهد والتحمل.
ولهذا فإن الهدف الواقعي ليس القضاء على جميع الضغوط، بل التمييز بين الضغوط التي تمنح الحياة معنى وتدفع الإنسان إلى النمو والتطور، وبين الضغوط الوهمية التي تنشأ من المقارنات المستمرة أو التوقعات غير الواقعية أو السعي خلف صور مثالية لا وجود لها في الواقع.
غير أن الحديث عن الضغوط النفسية في المجتمعات المسلمة يفتح بابًا إضافيًا لا يقل أهمية عن الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية، وهو البعد القيمي والثقافي الذي يشكل نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى الحياة من حوله.
فالدين في مجتمعاتنا ليس مجرد ممارسة فردية، بل إطار ثقافي واسع يؤثر في فهم الإنسان للنجاح والفشل، وللرزق والجهد، ولما يقع ضمن نطاق قدرته وما يخرج عنها. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى عدد من المفاهيم الإسلامية بوصفها عناصر تساعد على معالجة بعض الجذور العميقة للضغوط النفسية لا أعراضها فقط.
فمفهوم الرضا والقناعة، على سبيل المثال، لا يعني التخلي عن الطموح أو الاستسلام للواقع، بل يعني إدراك الفرق بين السعي المشروع وبين المطاردة المستمرة لما لا نهاية له. كما أن التمييز بين ما يدخل في نطاق مسؤولية الإنسان وما يخرج عن إرادته يعيد تعريف النجاح نفسه. فبدل أن يصبح النجاح مرهونًا بالنتائج وحدها، يصبح مرتبطًا بأداء الواجب وبذل الوسع واستفراغ الجهد، بينما تبقى النتائج النهائية خاضعة لعوامل كثيرة لا يملكها الإنسان بمفرده.
ولعل جانبًا آخر يستحق التأمل يتمثل في الشعائر الدينية ذاتها. فقد أشرت في المقال السابق إلى أن الإنسان الحديث فقد كثيرًا من لحظات الانفصال عن مصادر الضغط، لأنه بات يحملها معه في هاتفه أينما ذهب. وفي هذا السياق يمكن النظر إلى الصلوات الخمس بوصفها أكثر من مجرد شعائر روحية؛ فهي توقفات منتظمة ومتكررة خلال اليوم، تفرض على الإنسان أن يقطع مؤقتًا تدفق الانشغال والعمل والمعلومات، وأن يستعيد شيئًا من السكون والتركيز وإعادة ترتيب الأولويات. وهي بهذا المعنى تؤدي وظيفة إنسانية وعملية إلى جانب وظيفتها التعبدية.
كما أن الدين في المجتمعات الإسلامية لا يقتصر على العلاقة الفردية بين الإنسان وربه، بل يتجسد أيضًا في شبكة واسعة من الروابط الاجتماعية. فالمسجد، وصلة الرحم، والتكافل الاجتماعي، والمناسبات الجماعية، كلها تسهم في بناء رأس مال اجتماعي يعزز الشعور بالانتماء ويحد من العزلة. وليس من المصادفة أن تؤكد الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة أن الدعم الاجتماعي من أقوى العوامل التي تساعد الإنسان على مواجهة الضغوط والتحديات.
ومع ذلك، فإن أثر الدين في تخفيف الضغوط النفسية ليس أثرًا آليًا أو ميكانيكيًا. فالتدين الذي يعزز الطمأنينة والثقة بالله والرضا وإدراك حدود الطاقة البشرية يمكن أن يكون مصدرًا مهمًا للتوازن النفسي. أما التدين الذي يقوم على الخوف الدائم حتى لا طمئنينة أو الوسواس أو الشعور المستمر بالعجز والتقصير، فقد يتحول هو نفسه إلى مصدر إضافي للضغط. ولهذا يبقى الإطار الثقافي العام، وطريقة فهم القيم الدينية وتقديمها وممارستها، عاملًا حاسمًا في تحديد أثرها النفسي والاجتماعي.
غير أن المسؤولية لا تقع على الأفراد وحدهم. فجزء من الحل يرتبط أيضًا بطريقة تصميم المدن وبيئات العمل والمؤسسات العامة. ولهذا لم يعد النقاش حول الضغوط النفسية مقتصرًا على المختصين في علم النفس، بل أصبح حاضرًا في مجالات التخطيط الحضري وجودة الحياة والسياسات العامة.
ففي مختلف أنحاء العالم برز خلال السنوات الأخيرة اتجاه متزايد نحو “أنسنة المدن”، انطلاقًا من إدراك أن جودة الحياة لا تقاس فقط بحجم الفرص الاقتصادية أو سرعة النمو العمراني، بل أيضًا بقدرة الإنسان على العيش في بيئة متوازنة تراعي احتياجاته النفسية والاجتماعية والثقافية.
ولعل ما نشهده في المملكة العربية السعودية من مشاريع نوعية لتحسين جودة الحياة، وتطوير الفضاءات العامة، وزيادة المساحات الخضراء، وتعزيز الأنشطة الثقافية والرياضية والمجتمعية، يعكس هذا التوجه بوضوح. فمدينة مثل الرياض تمثل نموذجًا دالًا في هذا السياق؛ فهي مدينة تتيح لأصحاب الطموح فرصًا واسعة للنمو والإنجاز والعمل، لكنها في الوقت نفسه تشهد جهودًا كبيرة لجعل الحياة فيها أكثر توازنًا وإنسانية من خلال مشاريع الأنسنة والارتقاء بجودة الحياة.
وهذا التطور يعكس فهمًا متزايدًا لحقيقة مهمة، وهي أن مواجهة الضغوط النفسية ليست مسؤولية الفرد وحده، بل مسؤولية مشتركة تتقاسمها الأسرة، والمؤسسات، والدولة، والثقافة العامة للمجتمع.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الصحيح هو: كيف نتخلص من الضغوط النفسية؟ لأن الضغوط ستبقى جزءًا من التجربة الإنسانية ما دامت الحياة قائمة. وربما يكون السؤال الأجدر بالطرح: كيف نبني مجتمعًا يحقق التقدم دون أن يستنزف أفراده؟ وكيف نجعل التنمية أكثر إنسانية، والطموح أكثر توازنًا، والنجاح أكثر انسجامًا مع طبيعة الإنسان وحدود قدرته؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الإنسان في عصر التحولات الكبرى؛ تحدٍ لا يتعلق بالصحة النفسية وحدها، بل بطريقة فهمنا للحياة، ومعاييرنا للنجاح، وقدرتنا على الجمع بين الإنجاز والسكينة، وبين السعي والرضا، وبين الطموح والطمأنينة.
إلى اللقاء
عبدالعزيز الموسى