مجتمع الإنجاز الدائم

مجتمع الإنجاز الدائم
كيف تحوّل الضغط النفسي من حالة فردية إلى ظاهرة عامة؟
لم يعد الحديث عن الضغط النفسي مقتصرًا على العيادات المتخصصة أو الحالات الفردية الاستثنائية. فخلال السنوات الأخيرة أصبح هذا المفهوم حاضرًا في الحياة اليومية لملايين الناس، حتى بدا وكأنه إحدى السمات الملازمة للعصر الحديث. ولم يعد السؤال: لماذا يعاني بعض الناس من الضغوط النفسية؟ بل أصبح: لماذا أصبح الشعور بالضغط النفسي حالة شبه عامة؟
قد يكون من الخطأ النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها مشكلة شخصية فحسب، لأن اتساعها وانتشارها يشيران إلى وجود عوامل أعمق من مجرد اختلاف الطبائع أو القدرات الفردية على التكيف. فحين تتكرر الشكوى نفسها بين طلاب الجامعات والموظفين وأصحاب الأعمال وربات البيوت، وبين الشباب وكبار السن، فإن الأمر يتجاوز الأفراد ليصبح جزءًا من البيئة الاجتماعية والثقافية التي يعيشون فيها.
المفارقة أن الإنسان المعاصر يعيش في ظروف مادية وصحية أكثر استقرارًا من معظم الأجيال التي سبقته. فقد انخفضت معدلات كثير من الأمراض، وتطورت وسائل النقل والاتصال، وأصبحت الخدمات أكثر سهولة من أي وقت مضى. ومع ذلك لا يبدو أن الطمأنينة النفسية ارتفعت بالمقدار نفسه. بل إن شعورًا متزايدًا بالإرهاق والتوتر والإنهاك بات حاضرًا رغم كل هذا التقدم.
ربما يكمن جزء من التفسير في أن الضغوط التي يواجهها الإنسان اليوم تختلف عن الضغوط التي واجهها أسلافه. فالإنسان قديمًا كان يواجه أخطارًا كبيرة لكنها متقطعة، أما الإنسان الحديث فيعيش تحت وطأة ضغوط أصغر حجمًا لكنها أكثر استمرارًا. فالأخبار لا تتوقف، والرسائل لا تنقطع، ومتطلبات العمل تمتد إلى ما بعد ساعات الدوام، ووسائل التواصل الاجتماعي تجعل المقارنة بالآخرين متاحة على مدار الساعة.
ولعل أخطر ما في هذه البيئة أنها لا تترك للعقل فرصة كافية للهدوء. فالتقنيات التي صممت لتسهيل الحياة نجحت في كثير من الجوانب، لكنها جعلت الإنسان متصلًا بكل شيء تقريبًا طوال الوقت. وبينما كانت الراحة تعني في الماضي الانفصال المؤقت عن مصادر الضغط، أصبح كثير من الناس يحملون هذه المصادر معهم في جيوبهم أينما ذهبوا.
لكن المشكلة لا تتعلق بسرعة الحياة وحدها، بل أيضًا بتضخم التوقعات. فالأجيال السابقة كانت تنظر إلى النجاح بمعايير محددة نسبيًا: وظيفة مستقرة، وأسرة مستقرة، ومستوى معيشة مقبول. أما اليوم فقد اتسعت قائمة التوقعات إلى حد غير مسبوق. فالفرد مطالب بأن يكون ناجحًا مهنيًا، ومتميزًا اجتماعيًا، ومثقفًا، ورياضيًا، ومتجدد المهارات، وصاحب حضور رقمي مؤثر، وأن يحقق كل ذلك في وقت واحد.
ومع كل إنجاز يتحقق تظهر أهداف جديدة، ومع كل مرحلة يتم تجاوزها ترتفع معايير النجاح أكثر. وهكذا يجد الإنسان نفسه في سباق لا يبدو أن له خط نهاية واضحًا. وليس مستغربًا بعد ذلك أن يشعر كثيرون بأنهم متأخرون أو مقصرون رغم ما يحققونه من نجاحات حقيقية.
وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذا الإحساس. فالإنسان بطبيعته يقارن نفسه بغيره، لكن المقارنة كانت في السابق محدودة النطاق. أما اليوم فقد أصبح الفرد يقارن حياته اليومية العادية بلحظات استثنائية ينتقيها ملايين الأشخاص لعرضها أمام الآخرين. والنتيجة أن الصورة الذهنية عن الحياة الناجحة أصبحت أكثر مثالية وأقل واقعية.
ومن زاوية أخرى، شهدت المجتمعات الحديثة انتقالًا مهمًا من ثقافة الواجب إلى ثقافة الإنجاز. ففي المجتمعات التقليدية كان المطلوب من الإنسان أن يؤدي واجباته الأساسية تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه. أما اليوم فقد أصبح الخطاب السائد يدعو إلى تحقيق الذات باستمرار، وتجاوز الحدود، واستثمار كل فرصة ممكنة. ورغم ما يحمله هذا الخطاب من جوانب إيجابية، فإنه قد يخلق شعورًا دائمًا بعدم الاكتفاء، لأن تحقيق الذات هدف لا سقف نهائيًا له.
ولهذا فإن بعض أشكال الضغط النفسي ليست بالضرورة علامة على ضعف الفرد أو قصوره، بل قد تكون انعكاسًا طبيعيًا لبيئة ترفع سقف التوقعات باستمرار وتكافئ الانشغال الدائم أكثر مما تكافئ التوازن. وعندما يتحول الانشغال إلى قيمة اجتماعية بحد ذاته، يصبح الإرهاق علامة نجاح بدل أن يكون جرس إنذار.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى خفض الطموح أو الانسحاب من متطلبات الحياة، بل إلى إعادة التوازن بين الإنجاز والقدرة البشرية على الاحتمال. فالتخطيط الجيد لا يعني ملء الوقت بأكبر عدد من المهام، وإنما ترتيب الأولويات، والتمييز بين المهم والعاجل، وبين ما يجب فعله وما يمكن الاستغناء عنه. كما أن إدراك حدود الطاقة البشرية ليس اعترافًا بالعجز، بل شرط من شروط الاستدامة.
إن التحدي الحقيقي في عصرنا لا يتمثل في القضاء على الضغوط النفسية بالكامل، فهذا أمر لا يمكن تحقيقه، بل في بناء ثقافة أكثر واقعية تجاه النجاح والإنجاز والحياة نفسها. فالمجتمعات لا تقاس فقط بما تنتجه من ثروة أو معرفة، وإنما أيضًا بقدرتها على توفير حياة متوازنة لأفرادها.
وحين يصبح الإرهاق النفسي ظاهرة عامة، فقد يكون من المفيد أن نتوقف قليلًا عن سؤال الأفراد وحدهم: كيف تتعاملون مع الضغوط؟ وأن نطرح سؤالًا آخر لا يقل أهمية: هل هناك شيء في طريقة عيشنا الحديثة يستحق المراجعة؟
إلى اللقاء
عبدالعزيز الموسى