عاشوراء

عاشوراء
بين وحدة الرسالات وفرضية الاقتباس
كيف يتحول يوم من أيام الصيام إلى قضية فكرية تتجاوز حدود العبادة نفسها؟
هذا ما حدث مع عاشوراء؛ فاليوم الذي عرفه المسلمون بوصفه يومًا من أيام الفضل والشكر لله تعالى أصبح عند بعض المستشرقين مادةً للبحث في “مصادر الإسلام”، وظهر من يرى أن الروايات التي تذكر صيام قريش لعاشوراء في الجاهلية إنما صيغت لاحقًا لإضفاء أصل عربي أو إبراهيمي على شعيرة ذات منشأ يهودي.
وتستند هذه القراءة إلى ملاحظة التشابه بين ما ورد في السنة النبوية عن عاشوراء وبين ما عرفه اليهود من تعظيم اليوم الذي نجّى الله فيه موسى عليه السلام وقومه من فرعون. غير أن السؤال الحقيقي ليس عن وجود التشابه، وإنما عن طريقة تفسيره: فهل يكفي التشابه بين الشعائر لإثبات الاقتباس؟
منهج البحث التاريخي لا يسمح بمثل هذا الانتقال السريع؛ فالتشابه قد يدل على التأثر، وقد يدل على أصل مشترك، وقد يكون بقايا تقليد ديني أقدم. أما الجزم بأحد هذه الاحتمالات دون غيره فيحتاج إلى دليل يتجاوز مجرد وجود عناصر متشابهة بين الطرفين.
وحين نعود إلى المصادر الإسلامية نجد أن عاشوراء لم يظهر بوصفه شعيرة جديدة بعد الهجرة، بل كان معروفًا قبل ذلك. فقد ثبت عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها أن قريشًا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية، وأن النبي ﷺ كان يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض صيام رمضان بقي عاشوراء على أصل فضله واستحبابه. كما ورد أن قريشًا كانت تعظم هذا اليوم حتى تكسو فيه الكعبة. وهذه الأخبار تدل على أن عاشوراء كان حاضرًا في الوعي الديني المكي قبل أن يلتقي المسلمون بيهود المدينة.
ويكتسب الأمر أهمية أكبر إذا نظرنا إلى الرواية التي كانت سببًا في إثارة الجدل أصلًا. فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسألهم عن سبب ذلك، فقالوا: “هذا يوم نجّى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا لله”. فلم يرد عنه ﷺ إنكار أصل الخبر أو الاعتراض على نسبة هذا اليوم إلى نجاة موسى عليه السلام، بل أجاب بكلمة تكشف جوهر الرؤية الإسلامية للنبوات كلها: “نحن أحق بموسى منكم”.
ولم تكن هذه العبارة مجرد موافقة على صيام يوم معين، بل إعلانًا واضحًا أن موسى عليه السلام ليس نبيًا يخص أمة بعينها، وإنما نبي من أنبياء الله الذين يجب الإيمان بهم وتعظيمهم واتباع هديهم. ومن هنا لم يكن ارتباط عاشوراء بموسى عليه السلام أمرًا غريبًا على الوعي الإسلامي، بل منسجمًا مع التصور الذي يرى الأنبياء جميعًا حلقات متصلة في سلسلة واحدة من الهداية الإلهية.
ومن هنا يظهر أيضًا أن رواية سؤال اليهود لا تؤسس أصل صيام عاشوراء في الإسلام؛ لأن صيامه ثابت قبل الهجرة بنص حديث عائشة رضي الله عنها، وإنما تكشف سبب تعظيم اليهود لهذا اليوم، وتبين الصلة التاريخية بين عاشوراء ونجاة موسى عليه السلام. كما أن منهج التعامل مع الروايات لا يقوم على وضع بعضها في مواجهة بعض، بل على جمعها والنظر في سياقاتها؛ فحديث عائشة يثبت أن أصل الصيام كان معروفًا قبل الهجرة، ورواية سؤال اليهود تبين جانبًا من دلالاته التاريخية، وحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يوضح منزلته الخاصة في السنة النبوية حين قال: “ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني شهر رمضان”. وبذلك يظهر أن الروايات يكمل بعضها بعضًا ولا يتناقض بعضها مع بعض.
وهذا الموقف النبوي امتداد للرؤية القرآنية التي تجعل الإيمان بالأنبياء جميعًا أصلًا من أصول العقيدة، فلا تفصل بين إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، لأنهم جميعًا ينتمون إلى دعوة التوحيد الواحدة. ومن هنا فإن وجود شعيرة أو ذكرى مشتركة بين أتباع هذه الرسالات لا يُعد دليلًا تلقائيًا على الاقتباس، بل قد يكون شاهدًا على وحدة المصدر الذي تنتمي إليه.
ولهذا قرر علماء الإسلام قاعدة أصولية معروفة هي: “شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ”. وهذه القاعدة لا تعبر عن حكم فقهي فحسب، بل تكشف عن تصور متكامل لمسيرة الوحي عبر التاريخ. فالإسلام لا يرى نفسه بداية منفصلة عما سبقها، وإنما امتدادًا للرسالات التي تعاقبت لهداية الإنسان.
ومن هنا يبرز سؤال منهجي مهم: إذا كان الإسلام يقر ابتداءً بهذا الامتداد النبوي، فلماذا يُفترض أن كل تشابه بين الرسالات لا بد أن يكون نتيجة اقتباس؟ بل إن الروايات الإسلامية نفسها لا تقدم عاشوراء بوصفه شعيرة مستعارة، وإنما بوصفه يومًا معروفًا في البيئة العربية قبل الهجرة.
إن وجود اليهود في الجزيرة العربية لا يكفي لإثبات انتقال هذه الشعيرة إلى قريش، كما أن المصادر لا تنقل واقعة تاريخية تدل على ذلك. ولهذا تبقى فرضية التأثر مجرد احتمال من جملة احتمالات، لا نتيجة تاريخية ملزمة.
إن قضية عاشوراء تكشف أن كثيرًا من الجدل لا يدور حول يوم الصيام نفسه، بقدر ما يدور حول طريقة قراءة التاريخ الديني. فبينما تنظر الرؤية الإسلامية إلى الأنبياء بوصفهم حملة رسالة واحدة تتجدد عبر العصور، تميل بعض القراءات الاستشراقية إلى تفسير كل تشابه بين الشرائع على أنه أثر اقتباس أو تأثر.
غير أن وجود المشترك بين الرسالات لا يحتاج في التصور الإسلامي إلى تفسير استثنائي؛ إذ إن وحدة المصدر تقتضي قدرًا من وحدة الميراث. ولعل الخطأ الأكبر ليس في البحث عن الصلات بين الأديان، فذلك جزء من البحث التاريخي، وإنما في تحويل كل صلة محتملة إلى حكم نهائي، وكل تشابه إلى دليل اقتباس.
ومن هنا لم يرَ الإسلام في ارتباط عاشوراء بموسى عليه السلام دليلًا على الانفصال بين الرسالات، بل شاهدًا على امتداد ميراث النبوة ووحدة مصدره. ولعل هذا الموقف يكشف من طبيعة العلاقة بين الإسلام والرسالات السابقة ما لا تكشفه مطولات الجدل الحديثة؛ فبينه وبين كثير من فرضيات الاقتباس المعاصرة مسافةٌ كاملة في فهم النبوة، وفهم التاريخ، وفهم معنى الدين نفسه.
إلى اللقاء
عبدالعزيز الموسى