كُتاب الرأي

شرعية المشردين…

شرعية المشردين…

عندما تصبح المحاصصة دستورًا وتدوير الفشل إنجازًا!

في كل مرة يعلنون فيها عن تعيينات جديدة، يحاولون إقناع الناس بأن مرحلة جديدة قد بدأت، وأن الإصلاح قادم، وأن التغيير بات قريبًا. لكن الحقيقة التي لم تعد تخفى على أحد هي أن ما يحدث ليس إصلاحًا، بل إعادة تدوير للفشل، وتوزيع جديد للمناصب وفق معادلة المحاصصة والترضيات.

تتغير الأسماء، لكن يبقى النهج كما هو. وتُستبدل الوجوه، بينما تستمر العقلية نفسها التي أوصلت البلاد إلى هذا الواقع البائس.

لقد أصبحت المناصب العامة في نظر بعض القوى السياسية مكافآت تُمنح لإرضاء هذا الطرف، أو إسكات ذاك، أو موازنة قبيلة بأخرى، أو منطقة بأخرى، دون أن يكون معيار الكفاءة والخبرة هو الفيصل. وهكذا تتحول مؤسسات الدولة إلى ساحة لتقاسم النفوذ، لا إلى مؤسسات تخدم المواطنين.

والنتيجة معروفة مسبقًا…

كهرباء منهارة، وخدمات متدهورة، واقتصاد يترنح، ورواتب تتآكل، ومواطن يدفع ثمن صراعات لا علاقة له بها.

لقد شهد الناس خلال السنوات الماضية نماذج كثيرة لأشخاص قفزوا إلى مناصب رفيعة لا لأنهم كانوا الأكفأ، بل لأنهم كانوا الأقرب إلى دوائر النفوذ والمحاصصة. وعندما تنكشف الأخطاء أو تتوالى الإخفاقات، يبدأ الجميع بالتنصل منهم، وكأن من أوصلهم إلى تلك المواقع لا يتحمل أي مسؤولية.

إن المسؤولية لا تقع على الشخص وحده، بل على المنظومة التي جعلت الولاء مقدمًا على الكفاءة، والانتماء مقدمًا على التأهيل، والمحاصصة بديلًا عن بناء المؤسسات.

ولهذا فإن انتظار نتائج مختلفة من الأدوات نفسها ليس سوى خداع للناس.

فلا يمكن لمنهجٍ أنتج الأزمات أن يكون هو نفسه طريق الخلاص منها.

ولا يمكن لتدوير الوجوه أن يصنع دولة.

ولا يمكن للمحاصصة أن تبني مؤسسات.

ولا يمكن للترضيات أن تحقق العدالة.

إن الدول تُبنى حين يكون المنصب مسؤولية لا غنيمة، وحين يُختار المسؤول لأنه قادر على الإنجاز، لا لأنه يمثل حصة سياسية أو قبلية أو مناطقية.

أما الاستمرار في تدوير الوجوه ذاتها، وإعادة إنتاج الفشل بعبوات جديدة، فلن يورث الناس إلا مزيدًا من الخيبات، ومزيدًا من الانهيار، ومزيدًا من فقدان الثقة.

لقد تعب الناس من الوعود، ولم يعودوا يبحثون عن بيانات التعيين، بل عن نتائجها على الأرض.

أما إذا بقيت المحاصصة هي الحاكم الحقيقي، وبقيت الترضيات هي بوابة المناصب، فستظل الأزمات تتكرر، وسيدور الوطن في الحلقة نفسها، مهما تغيرت الأسماء والعناوين.

فالأوطان لا تُبنى بتدوير النفايات السياسية… بل بإقصاء الفشل، وتمكين الكفاءة، واحترام إرادة الشعب.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
25 يونيو 2026

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.