كُتاب الرأي

مليار دولار يتبخر… وشعب يُحرق في الظلام

مليار دولار يتبخر… وشعب يُحرق في الظلام

لم تعد أزمة الكهرباء والخدمات في بلادنا مجرد فشل إداري عابر، بل تحولت إلى شاهد حي على واحدة من أكبر عمليات العبث والفساد المنظم تحت عباءة “الشرعية” التي لم تترك شيئًا إلا ونهبته، حتى أصبح المواطن يشعر أن هذه الحكومة قادرة على سرقة الماء والهواء من أفواه الشعب إن استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

ففي الوقت الذي يعيش فيه الناس جحيم الانقطاعات، وحرارة الصيف القاتلة، وانهيار الخدمات الأساسية، تدفقت على هذه الحكومات المتعاقبة مليارات الريالات والدولارات تحت عنوان “دعم الكهرباء والطاقة”.

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن قدم:

* منحة مشتقات نفطية عام 2018 بقيمة 180 مليون دولار
* ومنحة عام 2021 بقيمة 422 مليون دولار
* ومنحة عام 2022 بقيمة 200 مليون دولار
* ومنحة عام 2026 بقيمة 81.2 مليون دولار
* والمنحة الجديدة الحالية بقيمة 150 مليون دولار

أي أننا نتحدث عن أكثر من مليار دولار أمريكي.

مليار دولار كاملة كانت كفيلة — لو أُديرت بنزاهة — ببناء عشرين “يمن” جديدة، وإنشاء محطات كهرباء حديثة، وشبكات طاقة مستدامة، ومشاريع تنموية تغير حياة الناس بالكامل، لكن الواقع يقول إن هذه الأموال تبخرت كما يتبخر الدخان في محطات الفساد.

لا كهرباء مستقرة…
لا مشاريع استراتيجية…
لا شفافية…
لا تقارير محاسبية واضحة…
ولا أحد يعرف أين ذهبت هذه المليارات.

والأخطر من ذلك أن الشعب لم يعد يثق بأي وعود حكومية، لأن الأزمة أصبحت مصدر ثراء لبعض المتنفذين، وكلما اشتدت المعاناة تدفقت المنح، وكلما تدفقت المنح تضخمت شبكات الفساد.

إن ما يحدث اليوم لا يسيء فقط للشعب المنهك، بل يسيء كذلك للداعم السعودي نفسه، لأن هذه الأموال في النهاية أموال سعودية قدمتها المملكة من أجل التخفيف عن الناس، لا من أجل أن تتحول إلى غنائم تتقاسمها مافيات الفساد والفنادق.

ولهذا، فإن الشارع اليوم يطالب الحكومة السعودية — ممثلة بهيئة الرقابة ومكافحة الفساد “نزاهة” — بفتح ملفات هذه المنح ومحاسبة شرعية اللصوص، وكشف أين ذهبت الأموال ومن استفاد منها ومن تلاعب بها.

فمن حق المملكة، ومن حق شعبها، ومن حق الشعب المتضرر أيضًا، أن يعرفوا كيف صُرفت هذه المليارات، ومن الذي حولها من مشاريع إنقاذ إلى حفلات نهب مفتوحة.

أما استمرار ضخ الأموال عبر نفس القنوات الفاسدة دون رقابة مباشرة، فهو أشبه بمن يحاول ملء “قِربة مخزوقة”؛ مهما سكبت فيها من ماء فلن تمتلئ أبدًا.

الحل لم يعد في إرسال شحنات وقود مؤقتة تنتهي خلال أسابيع، بل في:

* إدارة سعودية مباشرة أو إشراف مستقل على المشاريع
* رقابة صارمة وشفافة
* نشر التقارير المالية للرأي العام
* إنشاء مشاريع طاقة مستدامة
* ومحاسبة كل من عبث بأموال الدعم

فالأزمة ليست أزمة موارد… بل أزمة ضمير.

لقد تعب الناس من حكومات الفنادق والمشردين، ومن الوعود الموسمية، ومن مسرحية “المنحة الإسعافية” التي تتكرر كل صيف بينما الوطن ينهار عامًا بعد عام.

فالشعوب لا تموت فقط بالفقر والجوع…
بل تموت أيضًا عندما تُسرق أحلامها باسم الشرعية.

م. صالح بن سعيد المرزم باوزير
10 يونيو 2026م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.