الذين يبيعون سبعة آلاف عام… لن يشتروا مستقبلًا

الذين يبيعون سبعة آلاف عام… لن يشتروا مستقبلًا
هناك أمم تخسر حربًا فتنهض…
وهناك أمم تنهار اقتصادها فتتعافى…
وهناك أمم تتبدل حكوماتها عشرات المرات، لكنها تبقى لأنها حافظت على هويتها.
أما الأمة التي تتنازل عن تاريخها بإرادتها، فلا تهزمها الجيوش… بل يهزمها النسيان.
وهنا تبدأ المأساة.
ليس لأن عدوًا احتل الأرض، وإنما لأن بعض أبناء الأرض قرروا أن يختصروا آلاف السنين في شعارات سياسية، وأن يجعلوا التاريخ تابعًا للحاضر، بدل أن يكون الحاضر امتدادًا للتاريخ.
إن السؤال الذي يجب أن يهز ضمير كل حضرمي ليس: من يحكم اليوم؟
بل: من نحن؟
لأن الأمم التي لا تعرف جواب هذا السؤال، تظل تتنقل من راية إلى أخرى، ومن مشروع إلى آخر، حتى تفقد نفسها وهي تظن أنها تبحث عن مستقبلها.
حضرموت لم تولد مع خلاف سياسي، ولم تبدأ مع حزب، ولم تنشأ مع تنظيم، ولم تُخلق بقرار أو اتفاق.
حضرموت اسمٌ حمله التاريخ قبل أن تحمله السياسة.
وحضارةٌ تعاقبت عليها القرون، وبقي اسمها حاضرًا في كتب التاريخ والجغرافيا، وفي ذاكرة المنطقة، وفي وجدان أبنائها.
ولهذا فإن أي مشروع سياسي، مهما بلغ تأثيره، يبقى مرحلة من مراحل الزمن، بينما تبقى الهوية الحضرمية إطارًا أوسع وأبقى من كل المراحل.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب هو أن يُعاد تعريفه وفق مشروع سياسي مؤقت، لا وفق تاريخه المتراكم.
فالمشاريع السياسية تتغير…
والتحالفات تتبدل…
والقيادات ترحل…
لكن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها تبقى، لأنها تعرف أن الأوطان لا تُقاس بعمر الحكومات، بل بعمق جذورها.
المؤلم ليس أن يختلف الحضارم فيما بينهم.
فالاختلاف سنة الحياة.
المؤلم أن يتحول الاختلاف إلى تنافس على من يتنازل أكثر، ومن يبتعد أكثر عن مرجعيته التاريخية، ومن يربط مستقبل حضرموت بمشاريع قد تتغير بتغير الظروف.
إن الأمم التي صنعت التاريخ لم تبدأ بالسلاح.
بدأت بفكرة.
وبإيمان راسخ بأن هويتها ليست سلعة للمساومة، ولا بندًا في اتفاق، ولا ورقة تفاوض.
ولذلك بقيت.
أما الذين جعلوا أوطانهم مجرد أدوات في صراعات الآخرين، فقد اختفوا باختفاء تلك الصراعات.
والتاريخ مليء بالأمثلة.
إن حضرموت ليست بحاجة إلى من يمنحها قيمة، لأنها تملك قيمتها الذاتية.
وليست بحاجة إلى من يكتب لها تاريخًا جديدًا، لأن تاريخها كُتب عبر قرون طويلة من الحضور الحضاري.
المطلوب فقط أن يتذكر أبناؤها هذه الحقيقة.
فليس من المنطق أن يكون انتماء الإنسان لمشروع سياسي أقوى من انتمائه لأرضه.
ولا أن يكون دفاعه عن التنظيم أشد من دفاعه عن الهوية.
ولا أن يصبح التاريخ مجرد هامش، بينما تتحول الشعارات إلى متن.
إن الأمم لا تُسرق في يوم واحد.
بل تُسلب ذاكرتها تدريجيًا، حتى يأتي يوم يظن فيه أبناؤها أن تاريخهم بدأ بالأمس.
وهنا تقع الكارثة.
ولهذا فإن معركة حضرموت ليست معركة حدود فقط، ولا معركة نفوذ فقط.
إنها قبل ذلك كله معركة وعي.
معركة بين من يرى حضرموت أصلًا يجب أن تُبنى عليه كل المشاريع، وبين من يرى أن على حضرموت أن تذوب داخل أي مشروع يُطرح عليها.
وهنا يكمن الفارق بين من يصنع المستقبل، ومن يكتفي باستهلاك شعاراته.
ليس المطلوب من الحضرمي أن يعادي أحدًا.
ولا أن يخاصم أحدًا.
ولا أن يرفض الحوار.
بل المطلوب أن يجعل حضرموت هي البوصلة التي يقيس بها كل مشروع، وكل تحالف، وكل خطاب، وكل موقف.
فما خدم حضرموت يُنظر فيه.
وما انتقص من هويتها يُراجع.
وما جعلها مجرد تابع يُرفض، مهما كان بريقه.
إن الشعوب العظيمة لا تبيع تاريخها لأنها تعلم أن التاريخ ليس قصة تُروى، بل قوة تُبنى عليها الأوطان.
أما من يفرط في جذوره، فلن يجد ظلًا يستظل به عندما تتغير الفصول.
ويبقى السؤال…
إذا كان بعض الناس مستعدين للتفريط بتاريخ يمتد آلاف السنين من أجل مشروع سياسي عابر، فهل المشكلة في التاريخ… أم في طريقة قراءتنا له؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُناقش، بعيدًا عن الانفعال، وبقربٍ من الوعي.
فالأوطان لا يحفظها الضجيج…
بل يحفظها الذين يعرفون قيمتها قبل أن يعرفها الآخرون.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
20 يوليو 2026
