النفط يتدفق… والمواطن يختنق

النفط يتدفق… والمواطن يختنق
لم يعد الحديث عن معاناة حضرموت مجرد شكوى شعبية أو تذمر عابر من انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار، بل أصبح اعترافاً رسمياً يخرج من داخل أروقة السلطة نفسها. وعندما يصل مسؤول بحجم وكيل المحافظة إلى القول إن “الحلول ترقيعية”، وإن المواطن لا يحصل على أي مستوى من حقوقه، فإن القضية لم تعد بحاجة إلى إثبات، بل إلى مساءلة ومحاسبة.
ما كشفه الأستاذ جمعان بارباع ليس جديداً على المواطن الحضرمي الذي يعيش المأساة يومياً، لكنه جديد في كونه اعترافاً صريحاً من مسؤول لا يستطيع أحد اتهامه بالمبالغة أو المعارضة. فحين يعترف المسؤول بفشل الحلول، فهذا يعني أن الأزمة لم تعد أزمة إمكانيات، بل أزمة إدارة وإرادة وغياب قرار.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا تنقطع الكهرباء؟ ولا: لماذا ترتفع الأسعار؟ بل سؤال أكبر وأكثر خطورة:
أين تذهب ثروة حضرموت؟
كيف لمحافظة تنتج النفط وتصدره منذ عقود أن يعيش أبناؤها ساعات طويلة في الظلام؟ وكيف لأرض تخرج من باطنها ملايين الدولارات أن يعجز سكانها عن الحصول على أبسط الخدمات الأساسية؟
لقد لخص بارباع القضية كلها في عبارة واحدة عندما نقل صوت المواطن قائلاً: “إذا كان أنا عندي هذه الثروة، ليش ما تعطونا حقي فقط؟”.
وهنا تكمن جوهر الأزمة.
فالمواطن لم يعد يطالب بالقصور ولا بالمشاريع العملاقة، بل يطالب بحقه الطبيعي في الكهرباء والماء والصحة والتعليم والعيش الكريم. يطالب فقط بأن يرى أثراً لثروته على حياته اليومية.
إن أخطر ما في المشهد ليس الاعتراف بالفشل، بل استمرار الغموض حول الجهات التي تستفيد من الثروة بينما يبقى المواطن خارج دائرة الاستفادة. فالثروات لا تتبخر في الهواء، والأموال لا تختفي من تلقاء نفسها، وهناك دائماً مستفيدون يقفون في الطرف الآخر من المعادلة.
اليوم لم يعد الشارع الحضرمي بحاجة إلى المزيد من التصريحات أو التوصيفات، بل إلى كشف حساب شفاف يوضح بالأرقام:
كم تنتج حضرموت من النفط؟
كم تذهب إيراداته؟
من يديرها؟
وما نصيب المواطن منها؟
فلا يمكن أن تستمر المعادلة المختلة التي تجعل المحافظة الأغنى بين أفقر المناطق خدماتياً.
لقد قال بارباع الحقيقة، وهذه خطوة تُحسب له، لكن الحقيقة الكاملة لا تكتمل إلا بفتح الملفات المغلقة وكشف المستفيدين ومحاسبة المتسببين.
فحضرموت اليوم لا تعاني من شح الموارد، بل من شح العدالة.
ولعل أكثر ما يخيف أصحاب المصالح أن المواطن بدأ يدرك أن المشكلة ليست في قلة الثروة، بل في الطريقة التي تُدار بها تلك الثروة.
وعندما يصل الشعب إلى هذه القناعة، فإن مرحلة الصمت تنتهي، وتبدأ مرحلة المطالبة الجادة بالحقوق.
فحضرموت لا تطلب المستحيل…
إنها فقط تريد أن ترى نفطها يضيء بيوتها قبل أن يضيء مدن الآخرين.
مهندس صالح المرزم
11 يونيو 2026
