كُتاب الرأي

لا تقطع رحماً من أجل لقب

لا تقطع رحماً من أجل لقب

فالأرحام لا تُوزن بالمكانة

سويعد الصبحي 

هناك خلافات تبدأ صغيرة ثم تكبر في النفوس حتى تصبح جداراً يفصل بين الأخ وأخيه والقريب وقريبه.

قد تبدأ بكلمة لم تُقل أو اسم لم يُذكر أو مكان لم يُمنح أو مناسبة لم يُدعَ إليها أحدهم كما كان يتمنى أو مجلس لم يُقدَّم فيه بالشكل الذي يرى أنه يستحقه.

ثم يأتي العتاب ويتبعه الجفاء ثم الهجر حتى يتحول موقف عابر إلى قطيعة قد تمتد سنوات.

وهنا يجدر بنا أن نتوقف قليلاً وأن نسأل أنفسنا بصدق:

هل يستحق موقف دنيوي عابر أن نخسر بسببه رحماً أمر الله بوصلها؟

هل يستحق لقب زائل أن نخسر أخاً ؟

وهل يستحق مقعد في مجلس أن نخسر قريباً ؟

وهل يستحق أن يُذكر اسمنا في مناسبة أو لا يُذكر أن نطفئ بسببه نور المودة في قلوبنا؟

وهل تستحق وجاهة اجتماعية عابرة أن تكون سبباً في قطيعة رحم؟

إن الإنسان قد يتألم حين يشعر أنه لم يُقدَّر وقد يجرحه أن يُتجاوز في موقف كان ينتظر فيه التقدير وهذا شعور إنساني مفهوم.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الجرح إلى كبرياء والكبرياء إلى جفاء والجفاء إلى قطيعة.

وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا سؤالاً أعمق:

هل نريد فعلاً أن تكون قيمتنا مرهونة باعتراف الآخرين بنا؟

لا تجعل تقدير الناس مقياساً لقيمتك

قد يرى الإنسان نفسه أحق بأن يكون كبير العائلة أو ممثلها أو المتحدث باسمها أو صاحب الكلمة الأولى في مناسباتها.

فإذا لم يجد ما يراه حقاً له شعر بالخذلان وربما حمل في قلبه شيئاً من الغضب.

لكن من قال إن صلة الرحم مرتبطة بالمكانة؟

ومن قال إن المحبة تُقاس بمن أمسك بالراية؟

ومن قال إن قدر الإنسان يرتفع إذا ذُكر اسمه وينخفض إذا لم يُذكر؟

الناس قد يرفعونك يوماً ويغفلون عنك يوماً وقد يقدمونك في مجلس ويؤخرونك في آخر وقد يذكرون اسمك وقد ينسونه.

أما قيمتك الحقيقية فلا يصنعها مجلس ولا يحددها لقب.

إنها تُبنى بما تحمله في قلبك من خُلق وما تقدمه من خير وما تتركه من أثر.

فلا تجعل قيمتك مرهونة باعتراف الآخرين بك.

والأجمل أن يكون الإنسان كبيراً عند الله وإن لم يكن كبيراً في أعين الناس.

قال تعالى:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

[آل عمران: 134]

فالله يرى قلبك حين تُغالب نفسك ويرى صبرك حين تُستفز ويرى تواضعك حين تستطيع أن تنتصر لنفسك فتختار أن تنتصر لأخلاقك.

الرحم ليست ساحة للمنافسة

العائلة ليست مجلساً للتنافس على الألقاب ولا ميداناً لتوزيع الأوسمة ولا ساحة لإثبات من هو الأهم أو الأقدم.

العائلة رحم ودم وذكريات ومودة وحق شرعي ينبغي ألا تُفسده خلافات عابرة.

قال الله تعالى:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾

[النساء: 1]

وقال سبحانه:

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾

[محمد: 22-23]

وقال النبي ﷺ:

(لا يدخل الجنة قاطع رحم)

رواه البخاري ومسلم.

ولهذا فإن الخلاف مهما كان سببه لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة دائمة.

وهذا لا يعني أن صلة الرحم تعني قبول الظلم أو تجاهل الإساءة أو التخلي عن الكرامة.

فالإنسان يستطيع أن يضع حدوداً تحفظ نفسه وأن يبتعد عن مواطن الأذى وأن يعالج الخلاف بحكمة من غير أن يحوّل المسافة إلى عداوة أو الاختلاف إلى قطيعة.

فصلة الرحم لا تعني أن يقبل الإنسان كل أذى كما أن حفظ الكرامة لا يعني أن تتحول المسافة إلى قطيعة.

أعظم الوصل أن تصل من قطعك

قد يكون من السهل أن تصل من يحبك وأن تزور من يزورك وأن تكرم من يكرمك.

لكن القيمة الحقيقية تظهر حين يكون الطرف الآخر هو من أخطأ أو ابتعد.

قال رسول الله ﷺ:

(ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها)

رواه البخاري.

وهنا تظهر عظمة الخُلُق.

أن تقول لنفسك:

لن أجعل إساءتك سبباً لإساءتي.

ولن أجعل جفوتك ذريعة لقطيعتي.

ولن أبيع رحماً أمرني الله بوصلها من أجل موقف عابر.

فالمبادرة إلى الصلح ليست دائماً اعترافاً بالخطأ كما أن التواصل ليس بالضرورة تنازلاً عن الكرامة.

أحياناً  تكون المبادرة دليلاً على أن الإنسان أدرك قيمة ما هو أكبر من الخلاف.

اترك للناس ألقابهم… وخذ أنت الأجر

دعهم يختارون من يكون كبيراً للعائلة.

ودعهم يقدمون من يشاؤون.

ودعهم يذكرون من يريدون.

ودعهم يرفعون راية من يرون.

أما أنت فارفع راية أعظم:

راية صلة الرحم.

فما قيمة أن تحمل راية في مناسبة وأنت تحمل في قلبك قطيعة؟

وما قيمة أن يُذكر اسمك أمام الناس إذا كان بحثك عن التقدير قد أفقدك راحة قلبك وأفسد عليك علاقتك بأهلك؟

وما قيمة أن يقول الناس: هذا كبير العائلة إذا كان غضبه أكبر من أن يعفو وكبرياؤه أعظم من أن يتجاوز؟

الكِبَر الحقيقي ليس في أن يتقدمك الناس بل في أن تتقدم أنت على غضبك.

والرفعة الحقيقية ليست أن تكون أول المذكورين بل أن تكون من أوائل المبادرين بالخير.

والعزة ليست في أن تقول: لن أذهب إليهم حتى يأتوا إليّ بل في أن تقول:

أنا أكبر من الخلاف وأكرم من القطيعة وأحرص على آخرتي من أن أبيعها من أجل موقف دنيوي.

راجع قلبك قبل أن تراجع الآخرين

ربما كنت مظلوماً في موقف.

وربما أخطأ قريبك في حقك.

وربما لم يقدّرك كما كنت تتمنى.

كل ذلك قد يكون صحيحاً.

لكن اسأل نفسك:

هل كان الخطأ يستحق كل هذا الهجر؟

هل سيبقى هذا الموقف بعد سنة؟

بعد عشر سنوات؟

بعد أن يغادر أحدكم الدنيا؟

كم من إنسان ندم بعد وفاة قريب له وتمنى لو أنه زاره أو سامحه أو بادر إليه أو لم يجعل الكبرياء حاجزاً بينه وبينه.

لكن بعد فوات الأوان لا تنفع (ليت).

فبادر ما دمت تستطيع.

اتصل.

سلّم.

اسأل عن الحال.

افتح باباً صغيراً للصلح فقد يكون وراءه طريق طويل إلى المودة.

وقل:

ما بيننا أكبر من خلاف وأغلى من لقب وأبقى من مناسبة.

وإن لم تستطع أن تنسى كل شيء فلا بأس.

ابدأ بالسلام.

ثم بالكلام.

ثم بالوصال.

فالمودة قد تعود خطوة خطوة وما عند الله خير وأبقى.

لا تسمح للخلاف أن يكبر أكثر من حجمه

قد تبدأ القطيعة بفكرة تبدو بسيطة:

(لم يقدّروني).

ثم تتحول إلى:

(لن أذهب إليهم).

ثم إلى:

(لن أتحدث معهم).

ثم تصبح السنوات هي التي تتحدث بدلاً  منا.

وهكذا يكبر الجرح لا لأن سببه كان كبيراً بل لأن أحداً لم يملك شجاعة المبادرة.

وقد يستغل الشيطان مثل هذه الخلافات ليزيدها اتساعاً ويحوّل موقفاً عابراً إلى قطيعة طويلة.

لذلك عندما تجد نفسك تقول:

لن أزورهم حتى يعتذروا.

لن أتكلم معهم حتى يعرفوا قدري.

لن أحضر مناسباتهم لأنهم لم يضعوني في المكان الذي أستحقه.

توقف قليلاً واسأل:

هل أريد أن أنتصر في هذا الموقف أم أريد أن أحافظ على هذه العلاقة؟

فليس كل انتصار يستحق أن نخوضه وليس كل موقف يستحق أن ندفع ثمنه من أعمارنا وقلوبنا.

رسالة إلى كل من أثقلته الخصومة

إذا كنت قد هجرت قريباً ففكر في العودة.

ليس لأنك ضعيف بل لأنك أقوى من أن تجعل موقفاً عابراً يتحكم في حياتك.

وليس لأنك بلا كرامة بل لأن كرامتك أكبر من أن تجعلها رهينة لاعتراف الآخرين.

إن لم تستطع أن تنسى فتجاوز.

وإن لم تستطع أن تعود كما كنت فلا تجعل ما مضى سبباً للكراهية.

وإن لم تستطع أن تفتح قلبك كله فافتح باب السلام.

فرب سلام أطفأ خصومة ورب زيارة أحيت مودة ورب اتصال هدم جداراً بنته سنوات.

ولا تقل:

هو الذي أخطأ فلماذا أبدأ أنا؟

بل قل:

أنا أبدأ لأنني أطلب ما عند الله.

ولا تقل:

لم يذكروا اسمي.

بل قل:

يكفيني أن يذكرني الله من الواصلين.

ولا تقل:

لم يجعلوني كبير العائلة.

بل قل:

يكفيني أن أكون كبير ًفي أخلاقي كبيراً في عفوي كبيراً في صلتي كبيرً عند ربي.

الخاتمة

يا أبناء العائلات…

لا تجعلوا الدنيا تفرّقكم ولا تجعلوا الألقاب تُفسد الأنساب ولا تجعلوا المناسبات العابرة تهدم جسوراً بنتها أعوام.

فالمنصب يزول واللقب يزول والمناسبة تنتهي والناس تنسى.

أما الرحم فتبقى وحقها باقٍ وأثرها في الحياة أبقى من كل لقب ومكانة.

فإن كنت قد قطعت رحماً فراجع نفسك قبل أن يطول الغياب.

وإن كنت غاضباً فاهدأ قبل أن يتحول الغضب إلى قطيعة.

وإن كنت تنتظر اعتذاراً فلا تجعل الانتظار يحرمك فضل المبادرة.

وإن كنت ترى أنك مظلوم فلا تجعل ظلم الناس لك سبباً في ظلم نفسك بقطيعة الرحم.

وتذكر دائماً :

لا تجعل موقفاً صغيراً يهدم رحماً  كبيراً.

ولا تجعل لقباً زائلاً يضيع أجراً دائماً.

ولا تجعل تقدير الناس لك أغلى من رضا رب الناس.

فمن أجل الناس قد نغضب ومن أجل الله نعفو.

ومن أجل الدنيا قد نقاطع ومن أجل الآخرة نصل.

فاختر لنفسك ما يبقى ودع ما يفنى.

فرب قريب تنتظر أن يبادر إليك وهو ينتظر منك المبادرة نفسها.

فكن أنت الأسبق إلى الخير والأسرع إلى الصلح والأعظم حرصاً  على ما يجمع القلوب.

فالألقاب تُنسى والمناصب تزول والمجالس تنتهي… أما الرحم فحقها باقٍ وصلتها عبادة وودّها من أجمل ما يبقى للإنسان في الدنيا والآخرة.

كاتب رأي 

سويعد محمد موسى الصبحي

كاتب رأي وإعلامي رياضي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.