أطفال خلف الشاشات

أطفال خلف الشاشات
وقلوب خلف الجدران
سويعد الصبحي
في زمن أصبحت فيه الأجهزة أقرب إلى الأبناء من الآباء غدا كثير من الأطفال أسرى للشاشات لا يسمع لهم صوت إلا نقراً ولا ترى لهم حياة إلا خلف شاشة باردة لا تعرف الحنان ولا تجيد الاحتواء.
يجلس الطفل بين أهله جسداً لكنه بعيد عنهم روحاً قريب منهم مكاناً غريب عنهم وجداناً .
وبين القرب والبعد والحضور والغياب تتسع المسافات بصمت موجع.
لقد تحولت بعض الغرف إلى سجون بلا قضبان وسكوت بلا لسان يدخلها الطفل ضاحكاً ويخرج منها مثقلاً بالوحدة والقلق.
ينام متأخراً فيضعف جسده ويستيقظ متعباً فيخبو نشاطه فلا نوم أراحه ولا سهر أفاده.
وبين النور والظلام والصحة والسقم تضيع براءة الطفولة شيئاً فشيئاً.
أيها الأب أيتها الأم إن الطفل لا يحتاج هاتفاً بقدر ما يحتاج اهتماماً ولا يطلب شبكة قوية بقدر ما يطلب علاقةً قوية.
فالكلمة الحانية دواء والابتسامة الدافئة غذاء والاحتواء نجاة من شتات قد لا يظهر اليوم لكنه يظهر غداً على هيئة غضب أو انعزال أو انكسار.
تابعوا أبناءكم قبل أن تتابعهم الخوارزميات واصغوا لقلوبهم قبل أن تصغي لهم المقاطع العابرة.
اجعلوا للجلوس معهم وقتاً وللحديث معهم نصيباً وللمشي معهم متعة فالأطفال يكبرون سريعاً لكن الفرص الجميلة لا تعود سريعاً .
وبعض الآباء يهتمون بشحن الهواتف ويغفلون عن شحن القلوب بالمحبة ويراقبون اتصال الإنترنت بينما تنقطع بينهم وبين أبنائهم أسمى معاني الاتصال.
فكم من بيت امتلأ أجهزة لكنه افتقر إلى الأُنس وكم من طفل يضحك أمام الشاشة بينما قلبه يبكي خلف الصمت.
إن التربية ليست توفير جهاز بل توفير أمان وليست فتح تطبيق بل فتح طريق.
فاحضنوا أبناءكم قبل أن تحتضنهم العزلة وشاركوهم أعمارهم قبل أن تسرقها الشاشات لأن الطفل إذا فقد دفء البيت بحث عنه في عالم لا يعرف الرحمة.
وفي الختام فإن التقنية نعمة إذا أحسن استخدامها لكنها نقمة إذا استولت على القلوب والعقول.
فكونوا لأبنائكم آباء بالحضور لا بالصور وأمهات بالعطاء لا بالانشغال حتى ينشأ جيل يعرف معنى الحياة لا مجرد طريقة الاتصال بها.
