حين يُخطئ الميزان
بين شفقةٍ في موضعها وقسوةٍ في موضعها:
حين يُخطئ الميزان
سويعد الصبحي
ليس الخللُ أن نُبصر بل أن نُبصر مقلوباً فنُشفق على الظالم ولا نُشفق على المظلوم ونُلينُ حيث ينبغي الحزم ونقسو حيث يجب الرِّفق.
فتختلُّ الموازين ويضطربُ الوجدان ويصير الحقُّ في أعين بعض الناس باطلاً والباطلُ حقّاً في مشهدٍ يجمع بين نورٍ مُهمَل وظلٍّ مُتوهَّم.
إنّا ننظرُ إلى الظالم مرّتين:
نظرةَ شفقةٍ حين يطغى كأنّ بطشَه ضعفٌ وكأنّ قسوتهُ خوفٌ
ونظرةَ اعتبارٍ حين ينكسر إذ تُديرُ العدالةُ دورتها فيذوقُ من الكأسِ التي سقى ويُجزى بما جنى.
في المشهدين بين علوٍّ وسقوط وبين جبرٍ وجَبر
فالأولُ قهرٌ يُورِثُ كسراً والثاني لُطفٌ يُورِثُ نصراً وما بينهما تتجلّى سُننُ الله في تبديل الأحوال وتقليب الليالي والأيام.
نرى في طغيانه غِنىً مُدَّعى وحقيقته فقرٌ مُستتر
ونرى في جبروته قوّةً مُتوهَّمة وباطنه عجزٌ مُنتظر.
فكم من عزيزٍ بَدا عزيزاً وهو في باطنه ذليل وكم من قويٍّ ظُنَّ قويّاً وهو إلى السقوط أقرب.
ذلك أنّ الباطل وإن علا علوُّه إلى دنوّ وإن طال طولُه إلى زوال فهو كالزَّبَدِ يطفو فيُغري ثم يذهب فيُخزي وكالظلّ يتمدّد فيُوهِم ثم ينحسر فيُعلِم.
وما ارتفاعُ الباطل إلا تمهيدٌ لسقوطٍ أبلغ وما امتدادُه إلا إعدادٌ لزوالٍ أوجع حتى إذا ظنّه الناسُ ثابتاً جاءه الحقُّ من حيث لا يحتسب فأخذه أخذَ عزيزٍ مقتدر فصار هباءً منثوراً بعد أن كان في العيون منظورا.
فلا تُشفق حيث يجب الإنصاف ولا تُنصف حيث يجب الانتصاف بل ضع الشفقة في موضعها والحزم في موضعه تُصبِح الموازين مستقيمة والقلوبُ قَويمة.
فإنّ الرحمةَ إن وُضعت في غير محلّها ظلمٌ وإن مُنعت عن أهلها قسوة وبين رحمةٍ تُقيم وقسوةٍ تُقوِّم يستقيم ميزانُ الحياة ويظهر الحقُّ جليّاً بعد خفاء.
كاتب رأي

