نجلاء الردادي بحجم وطن

نجلاء الردادي بحجم وطن
محمد الفريدي
يشهد العالم اليوم سباقا تكنولوجيا متسارعا لم يسبق له مثيل، تتكاثر فيه الابتكارات بوتيرة سريعة تكاد تُفقدنا الإحساس بالزمن، ورغم ما تمنحه من تيسير للحياة وفتح آفاق واسعة للمعرفة والتواصل، فإن هذا التقدم لا يخلو من تساؤلات ملحة تتطلّب قدرا عاليا من الوعي والمسؤولية.
فهذا الاندفاع العلمي قد يتحول إلى نعمة حين يوظف لخدمة البشرية، وتطوير قدراتها، وتحسين جودة حياتها من خلال أبحاث تربط الابتكار بالقيم، والعلم بالأخلاق والدين، بما يضمن أن يبقى التقدم وسيلة للارتقاء بالإنسان وتعزيز إنسانيته.
وقد ينقلب إلى لعنة إذا تم تجاهله، أو تحوّل إلى أداة تهدد إنجازات الوطن، أو وسّع الفجوة الاجتماعية بين أفراد مجتمعه، ويبين لنا ضرورة أن نوازن بين طموحاتنا العلمية ومسؤولياتنا الأخلاقية، وأن نضمن أن تكون ابتكاراتنا في خدمة الوطن والمجتمع والبشرية.
وتتجلّى أهمية هذه النماذج العلمية الواعية التي لا تنظر إلى التقدم بوصفه سباقا أعمى، وإنما بوصفه مشروعا إنسانيا متكاملا، في توظيف المعرفة في خدمة الإنسانية، وتقديم نماذج متوازنة تجمع بين الابتكار والمسؤولية والطموح العلمي والالتزام الديني والأخلاقي.
إن التقدم العلمي كما تثبت التجارب الموثوقة، ليس خيرا مطلقا ولا شرّا لا مفر منه، وإنما هو مسار تحدده الرؤية التي تقوده والعقول التي تمسك بزمامه.
وهو سباق يحتاج إلى وعي عميق، ورؤية واضحة، ومسؤولية وطنية وإنسانية، ليبقى في خانة النعمة لا اللعنة، ويتحوّل إلى ركيزة لتنميتنا الحقيقية التي تصنع مستقبلنا بدل أن تخل بتوازن حاضرنا.
وفي هذا الزمن الذي تتسارع فيه التحولات العلمية، وتتنافس الدول على استثمار المعرفة والطاقات، تبرز في مجتمعنا أسماء قليلة لا تُقاس قيمتها بعدد مناصبها أو ظهورها الإعلامي، وإنما بعمق أثرها العلمي، وجدية أبحاثها، واستدامة إنجازاتها.
ومن بين هذه الأسماء اللامعة تقف الدكتورة نجلاء سعد عودة الردادي مثالا حيّا للعالمة السعودية التي تعمل بصمت، وحققت إنجازات وضعت المملكة في مصاف الدول المتقدمة علميا، وأسهمت في تعزيز حضورها البحثي على المستويين الإقليمي والدولي، وأثرت مجالاتها العلمية بإسهامات نوعية عكست عمق كفاءتها وتميزها العلمي.
فهي ليست مجرد أكاديمية جامعية، وإنما باحثة متخصصة في الكيمياء غير العضوية وكيمياء النانو، وأحد الوجوه العلمية السعودية البارزة التي استطاعت أن تحجز لنفسها مكانا مرموقا في المحافل العلمية الدولية.
بدأت مسيرتها العلمية في جامعة الملك عبدالعزيز بحصولها على درجة البكالوريوس في الكيمياء بمرتبة الشرف، ثم واصلت تفوقها بنيل درجتي الماجستير والدكتوراه في الكيمياء غير العضوية بتقدير ممتاز، ضمن مسار أكاديمي يعكس شغفها الحقيقي بالعلم والمعرفة، لا مجرد سعي إلى نيل الشهادات.
وتعمل اليوم أستاذة في كلية العلوم بجامعة طيبة في المدينة المنورة، وتجمع بين التدريس الجامعي والبحث العلمي، وتسهم في إعداد أجيال جديدة من الباحثين والباحثات السعوديين، وتعمل على دعم مسيرة البحث العلمي من خلال إشرافها الأكاديمي ومشاركتها في الأبحاث المتخصصة التي تعزز حضور المملكة العلمي.
غير أن دورها الأبرز يتجلّى في أبحاثها العلمية الرائدة التي ركزت على تحضير المتراكبات الكيميائية والجسيمات النانوية بطرق صديقة للبيئة، مع الاستفادة من الموارد الطبيعية المحلية، مثل مستخلصات النباتات والتمور، في توجّه علمي يتقاطع بوضوح مع مفاهيم الاستدامة والاقتصاد الأخضر.
وسجّلت براءات اختراع في مجال تحضير الجسيمات النانوية، من بينها ابتكار طرق لتحضير جسيمات البلاتين النانوية باستخدام مستخلصات التمور، ودراسة فاعليتها في التطبيقات البيولوجية والطبية، بما في ذلك الأبحاث المرتبطة بمكافحة الخلايا السرطانية.
ولا تقتصر أبحاثها على الجانب الأكاديمي فحسب، بل تحمل إمكانيات تطبيقية كبيرة يمكن أن تسهم مستقبلا في تطوير الصناعات الدوائية والتقنيات الطبية داخل المملكة، كما نشرت عشرات الأبحاث في مجلات علمية محكمة ومصنّفة دوليا، مما جعل اسمها حاضرا بقوة في قواعد البيانات العالمية.
وفي ضوء هذا الإنتاج العلمي، تم إدراجها ضمن قائمة أفضل 2% من العلماء الأكثر تأثيرا عالميا بحسب تصنيف جامعة ستانفورد الأمريكية، وهو إنجازٌ لا يحققه إلا نخبة الباحثين، ويُعد شهادة دولية على جودة أبحاثها العلمية وأثرها، كما يعكس المكانة التي وصلت إليها الكفاءات السعودية في ميادين البحث والابتكار، وقدرتها على المنافسة والحضور في أبرز المنصات العلمية العالمية.
ورغم كل هذه الإنجازات، تبقى المفارقة المؤلمة أن معظمنا لا يعرف اسمها، ولا يدرك حجم إنجازاتها، وهي ليست حالة فردية، وإنما تعكس ظاهرة عامة تشير إلى خلل في آليات إبراز علمائنا وباحثينا إعلاميا، مقارنة بحضور أسماء أخرى أقل أثرا منهم، لكنها أكثر ظهورا في الصحافة ووسائل الإعلام.
فالدول التي تبني مستقبلها على المعرفة لا تكتفي بتمويل الأبحاث العلمية فقط، بل تحرص على إبراز رموزها وعلمائها وباحثيها إعلاميا، وتُعرِّف الجميع في الداخل والخارج بنماذجها المضيئة، وتحولهم إلى أيقونات وقدوات حقيقية للأجيال القادمة.
لأن الأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من ثروات، وإنما بما تصنعه من عقول قادرة على صناعة المستقبل وحماية مكتسباتها.
ومن هنا يصبح واجبا وطنيا وأخلاقيا علينا تسليط الضوء على علمائنا إعلاميا، ومنحهم أعلى الأوسمة التقديرية الرسمية، وأن نطلق عليهم في صحفنا الألقاب التي تليق بهم تقديرا لجهودهم العلمية وإسهاماتهم البحثية، ورفع اسم مملكتنا في التصنيفات الدولية.
كما يستحقون دعما مؤسسيا أكبر يتيح لهم توسيع نطاق أبحاثهم، وتحويل ابتكاراتهم إلى مشاريع تطبيقية تخدم الوطن وصحته العامة، وتسهم في تعزيز الاقتصاد المعرفي، ورفع كفاءة القطاعات الحيوية، وترسيخ مكانة المملكة في مصاف الدول الرائدة علميا وتقنيا.
ولا يقف الأمر عند حدود التكريم وتسليط الضوء إعلاميا، وإنما يتجاوزه إلى ضرورة إدراج تراجم العلماء السعوديين المتميزين، ومنهم الدكتورة نجلاء الردادي، في مناهجنا الدراسية؛ فطلابنا بحاجة إلى قدوات حقيقية من واقعهم.
يرون فيها أن التفوق العلمي ليس حكرا على أسماء أجنبية، وأن الباحث السعودي قادر على المنافسة عالميا حين تتوفر له البيئة الداعمة والإرادة الصادقة.
وقراءة سيرة عالمة سعودية وصلت إلى تصنيف أفضل 2% عالميا قادرة على إلهام طالب أو طالبة أكثر من عشرات الدروس النظرية عن الجد والاجتهاد والطموح، مما يجعل إدراج هذه النماذج في مناهجنا ضرورة تربوية ووطنية.
كما أن إبراز هذه النماذج إعلاميا يعزز ثقافة تقدير العلم والعلماء داخل مجتمعنا، ويعيد الاعتبار للبحث العلمي بوصفه مسارا مهنيا مشرفا ومؤثرا.
فالأمم لا تنهض بالضجيج والثرثرة، وإنما تنهض بالمعرفة، ولا تحفظ مكانتها إلا حين تكرم من يصنعون مستقبلها.
والدكتورة نجلاء سعد عودة الردادي تمثل نموذجا للعالمة التي تعمل بعيدا عن الأضواء، وتترك إنجازاتها تتحدث عنها، وهي مثالٌ للمرأة السعودية التي اقتحمت مجالات علمية دقيقة، وأثبتت حضورها عالميا، وأسهمت في بناء رصيد علمي ووطني نفخر به.
ومن حقها علينا وواجبنا أن نسلّط الضوء على مسيرتها إعلاميا، وأن نطالب بتكريمها ورعايتها، وأن نضع اسمها حيث يليق بمكانتها العالمية: بين رموز العلم والابتكار في وطن طموح لا يرضى إلا بالمراكز الأولى، لتبقى نموذجا مُلهما للأجيال القادمة ودليلا على أن التميز العلمي السعودي قادر على بلوغ أعلى مراتب التأثير عالميا.
وتكريمها ليس تكريما لشخصها فحسب، وإنما رسالة واضحة لكل باحث وباحثة: أن الجهود لا تضيع، وأن الوطن يقدر أبناءه المخلصين، وأن طريق العلم ليس طريقا مظلما، وإنما مسارٌ مضيء يقود إلى المجد الحقيقي، ويصنع مكانة راسخة لأبنائه في ميادين التميز والإبداع.
مجدٌ يُصنع بالعقول والاجتهاد والإبداع، ويترك أثره في حياة أجيالنا القادمة وفي تقدم مجتمعنا، ويجسّد قيمة المواطن حين يُمنح الفرصة ليحوّل علمه إلى أثر نافع وإنجاز يمتد عبر الزمن، ويؤكد أن الاستثمار الحقيقي في المواطن هو الطريق الأضمن لصناعة مستقبل أكثر قوة واستدامة، يتقدم فيه الوطن بفضل عقول أبنائه وإبداعاتهم.
ورعاية الدولة لهذه الكفاءات لا ينبغي أن تقتصر على الدعم الشكلي، وإنما تمتد إلى تبنّي مشاريعها البحثية طويلة المدى، وإنشاء مراكز متخصصة تستثمر خبراتها، وتوفر لها ولِفريقها البحثي التمويل والمساحة اللازمة لتحويل الأبحاث إلى منتجات وتقنيات قابلة للتنفيذ.
فالعقول المتميزة حين تُهمل، إما أن تتراجع أو تهاجر إلى حيث تجد التقدير، والأوطان الذكية هي التي تحتضنها بالدعم والثقة والرعاية.
وأن نعيد النظر في معايير النجومية في مجتمعنا؛ فالباحث الذي يسهم في علاج مرض، أو تطوير تقنية، أو يرفع تصنيف وطننا العلمي، أحقّ بالاحتفاء والاحتضان من مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، وأن نجعل أسماءهم مألوفة في بيوتنا ومدارسنا، وأن نعيد توجيه البوصلة الثقافية نحو العلم بوصفه قيمة عليا لا مجرد تخصص جامعي.
وحين نطالب بتكريمها فإننا لا نطالب بامتياز شخصي لها، وإنما بإنصاف نموذج وطني مشرّف وترسيخ مبدأ أن الإنجاز العلمي أحد أركان السيادة المعرفية، فالدول لا تُقاس فقط بقوتها الاقتصادية أو السياسية، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة وحماية علمائها والاعتراف بجهودهم.
ففي وطننا عقول تعمل بصمت، وتحقق إنجازات تسبق الأضواء، ومن الوفاء أن نُخرج هذه العقول إلى الواجهة، وأن نضعها في مكانها الطبيعي: قدوة للأجيال، ونبراسا للعلم، ووسام فخر للوطن.
لتبقى شاهدة على أن مجدنا الحقيقي يُصنع بالعلم لا بالظهور، وأن قيمة المواطن تُقاس بأثره لا بشهرته في وسائل التواصل.



