المسجدُ مَحَضُ عبادةٍ لا مَعْرِضُ تجارة
المسجدُ مَحَضُ عبادةٍ لا مَعْرِضُ تجارة
سويعد الصبحي
المسجدُ بيتُ الله ومَهبِطُ السَّكينةِ ومَوطنُ الطُّمأنينة
فيه تُرفعُ الأكفُّ بالدعاءِ وتخشعُ القلوبُ بالرجاءِ وتصفو الأرواحُ من كَدَرِ الدُّنيا وعَنائها.
فكيفَ يُجعلُ مِمَّا شُرِّفَ للتقديسِ موضعاً للتدليس؟
وكيف يُنزَّلُ من مقامِ العبادةِ إلى مقامِ المُزايدةِ والمُساومة؟
لقد نهى النبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّم عن البيعِ والشراءِ في المسجد إذِ المسجدُ مَحضُ ذِكرٍ لا مَحَضَرُ ذِخر ومَوطِنُ صلاةٍ لا سُوقُ مُفاصَلة.
فلا يُنادى فيه: من يَشتري؟ ولا يُساوَمُ فيه: كم تَسوى؟ بل يُقالُ فيه: اللهُ أكبر وتُتلى فيه: آياتُ الذِّكر.
فشتّانَ بين مَن يطلبُ ربحَ الدُّنيا ومَن يرجو رِبحَ العُقبى وبين مَن يَبيعُ ويَشتري ومَن يَخشعُ ويَستغفر.
ونهى كذلك عن إنشادِ الضالّةِ في المسجد فلا يُجعلُ بيتُ اللهِ مَجمَعَ مُناداةٍ على مفقود ولا مَعرِضاً لطلبِ مفقود فإنَّ مَن أضاعَ شيئاً في الدُّنيا فليطلبه في سِواها أمّا في المسجدِ فالمطلوبُ هو الهداية والمفقودُ هو الغفلة.
هناك تُنشَدُ القلوبُ إلى بارئها لا تُنشَدُ الأغراضُ إلى أصحابها وتُستردُّ النفوسُ من ضياعها لا تُستردُّ الأموالُ من أماكنها.
يا مَن دخلتَ المسجد ادخلْه بقلبٍ خاشع لا بعقلٍ مُتاجِر وبروحٍ خاضعة لا بنَفْس مُساوِمَة.
اجعلْه مقامَ توبةٍ لا مُنادى ضالّة ومَحضَرَ عبادةٍ لا مَعرِضَ تجارة.
فإنَّ مَن عظَّمَ بيوتَ اللهِ عظَّمَه الله ومَن صانَها عن اللَّغو صانَه الله من اللَّغو وجعلَ له في قلبِه نوراً وفي دربِه سُروراً.
فالمسجدُ إذا صَفَا صَفَتْ فيه القلوب وإذا نُقِّيَ من صخبِ الدنيا نُقِّيَتْ فيه الأرواح وإذا حُفِظَتْ حُرمتُه حُفِظَتْ حُرمةُ من قصده.
تلكَ وصيّةُ النبوّة: أن يبقى المسجدُ مَحضَ عبادةٍ لا مَعرِضَ عادة ومَوطنَ سكينةٍ لا مَيدانَ مُساوَمة.
كاتب رأي
