كسوةُ الكعبةِ وفرحةُ العالمِ مع أهلِ مكة

كسوةُ الكعبةِ وفرحةُ العالمِ مع أهلِ مكة
السَّاعَةُ الخَامِسَةُ عَصْرًا يَوْمَ التَّاسِعِ وَالعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ، عَامَ ١٤٤٧ للهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَمَكَّةُ مُتَأَهِّبَةٌ تَنْتَظِرُ حَدَثًا مُهِمًّا يَتَجَدَّدُ كُلَّ عَامٍ؛ لَيْلَةَ غُرَّةِ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ، وَهُوَ تَبْدِيلُ كِسْوَةِ الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ.
وَمَا هَذَا الِاهْتِمَامُ بِكِسْوَةِ الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ إِلَّا صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللهِ، الَّتِي قَالَ فِيهَا سُبْحَانَهُ:
﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
وَتُوَلِي المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ كِسْوَةَ الكَعْبَةِ اهْتِمَامًا كَبِيرًا، بَدْءًا مِنْ تَوْفِيرِ كُلِّ مَا يَلْزَمُهَا، وَمُرُورًا بِحِيَاكَتِهَا بِحِرَفِيَّةٍ عَالِيَةٍ عَلَى أَيْدِي أَبْنَائِهَا، وَانْتِهَاءً بِتَبْدِيلِهَا فِي هَذَا المَشْهَدِ المُهَيْبِ؛ خِدْمَةً لِبَيْتِ اللهِ الحَرَامِ.
تَمُرُّ بِمُجَمَّعِ المَلِكِ عَبْدِالعَزِيزِ لِكِسْوَةِ الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، فَتَرَى التَّجْهِيزَاتِ وَالصُّنَّاعَ وَالمَرْكَبَاتِ وَالقَنَوَاتِ الإِخْبَارِيَّةَ، وَتَشْعُرُ أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا تَفْرَحُ مَعَهُمْ، وَأَنَّ الفَرْحَةَ مَوْصُولَةٌ بِالقُلُوبِ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِحُبِّهِمْ لِرَبِّهِمْ وَدِينِهِمْ وَوَطَنِهِمْ وَوُلَاةِ أَمْرِهِمْ.
وَقَدْ شَهِدْتُ العَامَ المَاضِي هَذَا الحَدَثَ الجَمِيلَ، وَرَأَيْتُ فَرْحَةَ النَّاسِ وَهُمْ يَرْفَعُونَ هَوَاتِفَهُمُ النَّقَّالَةَ لِتَوْثِيقِ هَذَا الحَدَثِ العَظِيمِ، وَالسَّعَادَةُ تَغْمُرُهُمْ، ثُمَّ كُنْتُ مَعَ الطَّائِفِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، حَامِدَةً شَاكِرَةً.
وَلِلتَّوِّ، قَبْلَ عَشْرِ دَقَائِقَ فَقَطْ، تَجَدَّدَتِ الفَرْحَةُ ذَاتُهَا عَلَى الوُجُوهِ، وَارْتَفَعَتِ الهَوَاتِفُ مِنْ جَدِيدٍ لِتُوَثِّقَ هَذَا المَشْهَدَ المُهَيْبَ، وَكَأَنَّ البَهْجَةَ نَفْسَهَا تَعُودُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ.
فَمِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى الحَرَمِ مُبَكِّرًا لِيَشْهَدَ الحَدَثَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُ مُتَابَعَتَهُ مِنْ بَيْتِهِ عَبْرَ القَنَوَاتِ الإِخْبَارِيَّةِ.
وَفِي بُيُوتِهِمْ تَفُوحُ رَائِحَةُ قَهْوَةِ اللَّوْزِ الحُلْوَةِ المُهَيَّلَةِ بِالحَلِيبِ وَدَقِيقِ الأَرُزِّ وَلَوْزِ البَجَلِيِّ المَجْرُوشِ، وَقَلِيلٍ مِنَ الهَيْلِ، وَيُضِيفُ بَعْضُهُمْ مَاءَ الكَادِي. وَتُصْنَعُ فِي قِدْرٍ كَبِيرٍ ثُمَّ تُغْرَفُ فِي الأَكْوَابِ، وَسَطَ فَرْحَةِ أَهْلِ البَيْتِ بِالعَامِ الهِجْرِيِّ الجَدِيدِ، حَامِدِينَ شَاكِرِينَ، دَاعِينَ اللهَ بِالخَيْرَاتِ وَالبَرَكَةِ، وَأَنْ يُعِيدَنَا لِأَمْثَالِهِ أَعْوَامًا عَدِيدَةً.
وَقَدْ كُتِبَ هَذَا النَّصُّ مُوَاكِبًا لِهَذَا الحَدَثِ فِي وَقْتِهِ، وَكَاتِبَتُهُ تَغْمُرُهَا السَّعَادَةُ وَالدَّعَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِقُرَّائِهِ وَلِسَائِرِ بُيُوتِ المُسْلِمِينَ، سَائِلَةً اللهَ الخَيْرَ وَالبَرَكَةَ لِلْجَمِيعِ.
فَكُلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ وَالوَطَنُ وَأَهْلُهُ بِخَيْرٍ وَعَافِيَةٍ وَسَعَادَةٍ.
د. نسيبة منصور الشريف

