الحج ويوم عرفة

الحج ويوم عرفة
مشاهد من أهل الدار بعيون الحجاز
يستعد أهل الحجاز كل عام لاستقبال ضيوف الرحمن في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتولي المملكة العربية السعودية هذا الحدث العظيم اهتمامًا كبيرًا، إذ تستضيف الحجاج من مختلف دول العالم، على اختلاف ثقافاتهم وألسنتهم وألوانهم، مصداقًا لقوله تعالى في دعوة إبراهيم عليه السلام: {فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم}.
ومن أجل هذه الرحلة الإيمانية العظيمة تُبذل الجهود، ويتطور كل شيء عامًا بعد عام نحو الأفضل. وتعمل الجهات كافة بأعلى درجات الاستعداد، بمحبة وإخلاص وإكرام، وصبرٍ لا يفتر، وعزيمةٍ تتجدد عامًا بعد عام، ليؤدي الحجاج مناسكهم في أمن وطمأنينة ويسر. وبينما ينشغل الجميع بخدمة ضيوف الرحمن، تظل دعوات الحجاج بالخير والأمن والأمان تلهج لهذه البلاد، لما يلمسونه من عناية وتنظيم واهتمام.
أما أهل مكة، أهل الدار، والعارفون بأعمال الحج جيلاً بعد جيل، فقد توارثوا شرف خدمة ضيوف الرحمن منذ القدم، يحملون هذه الأمانة جيلاً عن جيل، ويؤدون أدوارهم في السقاية والرفادة والاستقبال وخدمة الحجيج بالتعاون مع الجهات المعنية بشؤون الحج، في صورةٍ تجمع بين أصالة الموروث وتطور التنظيم، وبين عراقة الماضي وكفاءة الحاضر.
ومع اقتراب يوم عرفة تجتمع العائلات في البيوت لصنع المعمول، ويشارك في ذلك الصغير والكبير؛ فالجدة تُوجّه بخبرتها، والشابات يعجنّ العجين تحت إشرافها، والصغار يساعدون في الحشو وجمع العجين وتزيينه بقوالب الخشب المنقوشة المصنوعة خصيصًا للمعمول. ويُضاف إليه الهيل والحبة السوداء وقليل من الشمر، ثم يُخبز في الأفران فتفوح رائحته في البيوت معلنة قرب العيد.
كما تُصنع حلوى الغريبة من الدقيق المنخول وسكر البودرة والهيل المطحون، وتُعجن بالزبدة حتى تصبح ناعمة هشة، ثم تُرتب في العلب؛ جزءٌ منها يبقى لأهل البيت، وجزءٌ يذهب مع الرجال إلى أعمالهم في الحج، فيما تحتفظ البيوت بنصيبها من فرحة العيد القادمة.
ومن جميل صور التواصل بين الماضي والحاضر أن بعض أبناء وبنات الوطن حوّلوا هذه الموروثات الشعبية إلى مشاريع ناجحة، فافتتحوا محلات متخصصة في صناعة المعمول والغريبة وفق الوصفات التقليدية التي توارثتها الأسر جيلاً بعد جيل. ولم تعد هذه الحلويات حاضرة في البيوت فحسب، بل أصبحت مقصدًا للزوار والسياح الراغبين في تذوق النكهات المحلية الأصيلة والتعرف على جانب من الثقافة الحجازية. وترتفع مبيعاتها في هذه الأيام المباركة مع الإقبال الكبير عليها، خاصة عندما يعلم المشترون أنها تُصنع بأيدٍ سعودية تحرص على المحافظة على جودة الموروث وأصالته، وتقدمه بروح عصرية تليق بمكانته في الذاكرة الاجتماعية لأهل المنطقة.
ثم يأتي يوم عرفة، اليوم الذي يتبدل فيه وجه مكة وتلبس فيه المشاعر ثوبًا من السكينة والبياض. فالناس بين قائمٍ وصائمٍ وداعٍ وعامل، وتخلو مكة من كثير من رجالها الذين يتوزعون بين المشاعر المقدسة وأعمال خدمة الحجاج، فلا يبقى في الأحياء غالبًا إلا النساء والأطفال وكبار السن.
وفي الحرم المكي يتجلى مشهد فريد؛ إذ يكتسي بياض صحن الكعبة بالألوان بعدما يعمره النساء والأطفال بالطواف والعبادة والدعاء. يلبس الأطفال الجديد، وتلبس البنات ملابس العيد، وكأن مكة تستقبل فرحتها قبل أن يهلّ الهلال.
وقد كنت في الحرم المكي العام الماضي، فسُرَّ فؤادي بما رأيت؛ فتيات صغيرات تحملهن أمهاتهن في الطواف، يلبسن تيجانًا من الورد ابتهاجًا بليلة العيد، في صورة تختلط فيها البراءة بالإيمان، والجمال بالخشوع.
ومن جميل ما رأيت في الحرم المكي اصطحاب الأسر لأفرادها جميعًا، حتى كبار السن من الرجال والنساء. فترى نظرات البر والمحبة والسعادة تتبادلها عيون الكبير والصغير، وتشاهد الكبار وهم يهدون الصغار عيدياتهم، فيستقبلها الأحفاد بامتنان وفرح، ثم يحتضنونهم في مشهد يفيض مودة ورحمة.
كما يلفت النظر حرص الأبناء والبنات على تهيئة الراحة لوالديهم وأجدادهم، فيوسعون لهم المكان، ويصبرون على التنقل معهم بين أروقة الحرم وساحاته. فتجد عائلة كاملة تمضي بخطوات هادئة متأنية احترامًا لكبارها ومراعاةً لاحتياجاتهم، حتى تصل إلى المكان المناسب لها، آمنةً مطمئنةً سعيدة. وفي تلك اللحظات لا يبدو المشهد مجرد زيارة للحرم، بل درسًا حيًا في البر وصلة الرحم والوفاء، تتجلى فيه أجمل القيم في أقدس البقاع.
ومع حلول المساء تبدأ مكة في ارتداء ثوب العيد. رأينا ساعة مكة تلمع بأضوائها في مشهد مهيب، معلنة دخول ليلة العيد، وقد كُتب عليها: «كل عام وأنتم بخير». فرفع الناس هواتفهم يوثقون اللحظة، وتعالت أصوات التكبير والحمد لله سبحانه وتعالى، واختلط نور المكان بفرحة القلوب التي عاشت يومًا من أعظم أيام الله.
وعلى الجانب الآخر، يشد كثير من أهل مكة وجدة رحالهم إلى المدينة المنورة خلال أيام الحج، ليعمروا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليوم الثامن من ذي الحجة إلى العاشر، وقد يبقى بعضهم إلى اليوم الحادي عشر. وهناك يلتقي الأهل والأصحاب بجوار المسجد النبوي في أجواء يغمرها الشوق والأنس، فتجد أينما مشيت مجموعات متفرقة يشربون القهوة العربية، ويتبادلون أطراف الحديث، ويستعيدون الذكريات في فرح وسكينة.
وفي بعض المجالس ترى الجد أو الجدة يجلسان على مقعديهما وقد التف حولهما الأحفاد، فيقصّان عليهم مواقف من الماضي؛ تارةً تحمل الفائدة والعبرة، وتارةً أخرى تثير الضحك والمرح، فتتعالى الأصوات وتشرق الوجوه بالسرور، حتى يجد المارّ بهم نفسه يدعو لهم بدوام البركة والألفة والسعادة.
ومن أجمل المواقف التي عشتها هذا العام في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم دخول بعض الضيوف على أهلهم وهم يشغلون أنشودة العيد من هواتفهم، فتستقبلهم ربة المنزل بقولها: «أنتم والله فرحة العيد»، فتتعالى الدعوات الصادقة، وتمتزج بالضحكات والابتسامات، في مشهد تختصر فيه المحبة معاني العيد كلها، وتبدو فيه صلة الرحم أجمل هدية يتبادلها الناس في هذه الأيام المباركة.
ويمتلئ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ الساعة الثانية صباحًا، قبل الفجر، بالناس وهم يلبسون أجمل ثيابهم، يتوافدون للصلاة والذكر والدعاء. ثم يخرجون إلى الفنادق التي تُعد لهم موائد الاستقبال والحلويات والقهوة العربية المهيلة على مائدة الإفطار، قبل أن يعودوا إلى منازلهم وقد امتلأت نفوسهم بالطمأنينة.
وفي كل مكان ترى الحجيج بعد إتمام مناسكهم يحمدون الله على ما منّ به عليهم من يسر وسهولة، ويروون للناس قصصًا عن دعواتٍ أجيبت، وقلوبٍ سكنت، وأمنياتٍ أودعوها عند رب كريم. ويشكرون ما وجدوه من عناية وتنظيم وخدمة، فيما يستودعون الله دعواتهم القادمة بيقينٍ ورضا، لتبقى ذكرى الحج ويوم عرفة حاضرةً في القلوب، حتى يأتي الموسم من جديد.
د. نسيبة منصور الشريف
