رحلة في ذاكرة المسرح السعودي ( ٢ )

رحلة في ذاكرة المسرح السعودي ( ٢ )
مسرح الإذاعة السعودي..
الخشبة التي لا تُرى:
حين يُكتب تاريخ المسرح السعودي، تتجه الذاكرة غالبًا إلى خشبة المسرح والعروض الجماهيرية التي شهدتها مدن المملكة عبر العقود. غير أن هناك مسرحًا آخر سبق الخشبة إلى الجمهور، وأسهم في تشكيل الوعي الفني وتكوين أجيال من الممثلين، لكنه بقي بعيدًا عن الأضواء لأنه لم يكن يُرى… بل يُسمع. ذلك هو مسرح الإذاعة السعودي.
مع بدايات النهضة الإذاعية في مطلع ستينيات القرن الماضي، بدأت إذاعة جدة تقديم المسرحيات الإذاعية، لتؤسس تجربة فنية رائدة كان لها أثر بالغ في نشأة الحركة المسرحية السعودية. ولم تكن تلك الأعمال مجرد برامج ترفيهية، بل كانت مدرسة حقيقية في الأداء والتمثيل والإلقاء، خرج منها فنانون أصبحوا لاحقًا من أبرز رموز المسرح والتلفزيون.
كان الممثل في المسرح الإذاعي يقف أمام الميكروفون مجردًا من أدوات العرض المرئي؛ فلا ديكور يحيط به، ولا إضاءة تبرز انفعالاته، ولا حركة جسد تعزز أداءه. كان صوته وحده هو الخشبة، ومن خلال نبراته وإيقاعه يصنع المكان، ويمنح الشخصيات حياتها، ويقود المستمع إلى عالم كامل لا يراه إلا بعين الخيال.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه المرحلة الفنان *حسن دردير* ، صاحب الصوت المميز والحضور الفني اللافت، الذي استطاع أن ينقل خبرته الإذاعية إلى المسرح والتلفزيون، محافظًا على جودة الأداء ودقة الإلقاء.
ويبرز أيضًا اسم *لطفي زيني* ، الذي لم يكن ممثلًا فحسب، بل كاتبًا ومؤلفًا أسهم في ترسيخ هوية المسرح السعودي. وكانت تجربته في الإذاعة إحدى المحطات المهمة التي صقلت أدواته الفنية، قبل أن يصبح أحد أبرز رواد المسرح في المملكة.
كما حضر *محمد يغمور وعبدالرحمن يغمور* في البدايات، وقدما أعمالًا اعتمدت على الأداء الصوتي المتقن، بينما مثّل أمين قطان نموذجًا للفنان المثقف الذي جمع بين الإبداع والإذاعة، وأسهم في إثراء المشهد المسرحي والثقافي.
ومن الأسماء التي لا يمكن تجاوزها أيضًا *خالد زارع* ، الذي شارك في العديد من الأعمال الإذاعية والمسرحية، وكان من أبناء الجيل الذي آمن بأن الإذاعة قادرة على نقل المسرح إلى كل بيت.
أما الفنان *عبدالعزيز الهزاع* ، فرغم أن حضوره ارتبط أكثر بالبرامج الإذاعية والشخصيات الكوميدية، فإنه قدّم نموذجًا استثنائيًا في الأداء الصوتي، وأثبت أن الصوت وحده قادر على خلق شخصيات تعيش طويلًا في وجدان الناس، حتى أصبحت أعماله جزءًا أصيلًا من التراث الإذاعي السعودي.
ولم يكن نجاح المسرح الإذاعي قائمًا على الممثلين وحدهم، بل كان خلف الميكروفون مخرجون ومهندسو صوت وفنيون امتلكوا قدرة مدهشة على صناعة الصورة بالصوت. فالمؤثرات الصوتية لم تكن عناصر مساعدة، بل كانت جزءًا من البناء الدرامي؛ صوت المطر، ووقع الخطوات، وصرير الأبواب، وضجيج الأسواق، وأمواج البحر… جميعها كانت تتحول إلى مشاهد نابضة بالحياة يرسمها خيال المستمع.
لقد أسهم مسرح الإذاعة في تأسيس ثقافة الأداء لدى الفنان السعودي، ورسّخ أهمية سلامة اللغة، وجودة الإلقاء، وضبط مخارج الحروف، والإيقاع الصوتي، وهي مهارات ظل أثرها واضحًا في أعمال كثير من الفنانين الذين انتقلوا لاحقًا إلى المسرح والتلفزيون.
ورغم هذه المكانة، فإن المسرح الإذاعي لم يحظ بما يستحقه من التوثيق والدراسة. فقد فُقدت تسجيلات كثيرة، وغابت معلومات عن عدد من الأعمال وروادها، وبقي جانب مهم من هذا التاريخ موزعًا بين الأرشيفات القديمة وذاكرة من عايشوه.
واليوم، ومع عودة الاهتمام بالدراما الصوتية والبودكاست، تتجدد الحاجة إلى إحياء هذا الإرث؛ بجمع نصوصه، وحفظ تسجيلاته، وتوثيق سير رواده، لأنهم لم يكونوا مجرد ممثلين عبر الأثير، بل كانوا من أوائل المؤسسين لفنٍ جعل المستمع يرى المسرح بعيني خياله.
لقد أثبت رواد مسرح الإذاعة السعودي أن الخشبة ليست دائمًا من خشب، وأن الستارة قد تُفتح بصوت، وأن بعض أعظم العروض هي تلك التي لم تُرَ بالعين، لكنها بقيت حيّة في ذاكرة وطن.
بقلم أ. رياض الشهري


