في ظلال المسرح

نقد الناقد لجمهور العرض

نقد الناقد لجمهور العرض

رياض الشهري 

اعتاد النقد المسرحي أن يتجه نحو النص، والإخراج، والتمثيل، والسينوغرافيا، وسائر عناصر العرض، بينما بقي عنصر أساسي خارج دائرة النقد، وهو الجمهور. فهل الجمهور دائمًا على صواب؟ وهل يحق للناقد أن يوجه ملاحظاته إلى المتلقي كما يوجهها إلى صناع العرض؟

قد تبدو الفكرة غريبة، لأن الجمهور هو الطرف الذي تُقدَّم له المسرحية، لكن الحقيقة أن العرض المسرحي لا يكتمل إلا بثلاثة أطراف: النص، والعرض، والمتلقي. وإذا كان أحد هذه الأطراف يؤثر في نجاح التجربة أو فشلها، فمن الطبيعي أن يكون محل قراءة ونقد.

كثيرًا ما يشاهد الناقد سلوكيات داخل القاعة تؤثر في جودة العرض؛ كالتأخر في الدخول، واستخدام الهواتف المحمولة، والحديث الجانبي، والتصفيق في غير موضعه، أو مغادرة المقاعد أثناء المشاهد المهمة. وهذه التصرفات لا تزعج الفنانين فحسب، بل تشتت انتباه بقية الجمهور، وتغيّر الإيقاع الذي بُني عليه العرض.

ولا يقتصر الأمر على السلوك، بل يمتد إلى ثقافة التلقي. فقد يحكم بعض الحضور على المسرحية من الدقائق الأولى، أو يرفضون عملًا لأنه لا يعتمد على الكوميديا، أو يطالبون بإيقاع سريع لا يناسب طبيعة النص. هنا لا تكون المشكلة في العرض وحده، بل في طبيعة التوقعات التي جاء بها المتلقي.

وهذا لا يعني أن الناقد يهاجم الجمهور أو يتعالى عليه، بل إن دوره يتمثل في قراءة العلاقة بين العرض والمتلقي، والتنبيه إلى السلوكيات التي تضعف التجربة المسرحية، تمامًا كما يشير إلى أخطاء المخرج أو الممثل.

كما أن نقد الجمهور قد يكشف مشكلات أعمق، مثل ضعف التربية المسرحية، أو غياب برامج التذوق الفني، أو تحول حضور المسرح إلى مناسبة اجتماعية أكثر من كونه تجربة ثقافية. وهذه قضايا تستحق النقاش لأنها تؤثر في مستقبل الحركة المسرحية.

إن الناقد الحقيقي لا يكتفي بتقييم ما يحدث فوق الخشبة، بل يقرأ أيضًا ما يحدث أمامها. فالجمهور ليس مجرد متفرج، بل شريك في صناعة اللحظة المسرحية، وكلما ارتقت ثقافة التلقي، ارتقى معها المسرح نفسه.

ولعل الوقت قد حان لأن يوسّع النقد المسرحي دائرة اهتمامه، فلا يكتفي بنقد العرض، بل يلتفت أيضًا إلى المتلقي، ليس لإدانته، وإنما لفهمه، وتطوير علاقته بالمسرح، لأن المسرح لا يزدهر بمبدعين كبار فقط، بل يحتاج كذلك إلى جمهور واعٍ يعرف كيف يشاهد، وكيف يصغي، وكيف يشارك في صناعة الجمال.

كاتب مسرحي 

 

 

رياض الشهري

كاتب مسرحي وقصة ورواية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.