(الناعشون).. النص الذي استحق الجائزة

(الناعشون).. النص الذي استحق الجائزة
بقلم: رياض الشهري
ليس من السهل أن تكتب عن الموت دون أن تقع في أسر المألوف؛ فالموت من أكثر الموضوعات حضورًا في الأدب والفن، وربما من أكثرها استهلاكًا أيضًا. لكن فهد ردة الحارثي في نصه المسرحي (الناعشون) لا يذهب إلى الموت بحثًا عن الرثاء، ولا يستخدمه بوصفه خاتمة للحياة، وإنما يقلب المعادلة كلها، ويجعل الموت مدخلًا للسؤال عن معنى الحياة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية النص. فقد حصل (الناعشون) على جائزة أفضل نص في الدورة الثالثة والثلاثين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، في إنجاز يضيف إلى حضور النص المسرحي السعودي في المحافل العربية والدولية. لكن الجائزة، في تقديري، لا تأتي فقط لأن النص اختار موضوعًا كبيرًا كالموت، وإنما لأنه استطاع أن يحوّل هذا الموضوع إلى لغة مسرحية وأسئلة مفتوحة.
ومنذ اللحظة الأولى يضعنا الحارثي أمام عنوان شديد الذكاء: (الناعشون). والمعنى المباشر للناعشين هو حملة النعوش، أولئك الذين يحملون الموتى إلى مثواهم الأخير. لكن النص لا يكتفي بهذا المعنى القريب، وإنما يفتح من خلاله معنى أكثر اتساعًا: ماذا لو كان الذين يحملون النعوش هم أنفسهم جزءًا من الموت؟ وماذا لو أصبح الأحياء أشبه بنعوش تتحرك؟
وهذه المفارقة هي واحدة من أهم مفاتيح النص. فالنعش لم يعد مجرد شيء يحمله الإنسان، وإنما يتحول إلى صورة للإنسان نفسه. وهنا يتحول العنوان من اسم إلى سؤال فلسفي.
والحارثي لا يتعامل مع الموت باعتباره حادثة تقع في نهاية الأجل، وإنما باعتباره حالة أصبحت حاضرة في تفاصيل الإنسان المعاصر. الحروب، والأوبئة، والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية جعلت مشاهد الموت تتكرر حتى أصبح الإنسان أكثر ألفة بها. وهذا ليس تأويلًا نقديًا فقط؛ فالحارثي نفسه أوضح أن الشرارة الأولى للنص جاءت من عالم يمتلئ بالحروب والأوبئة، ومن اعتياد الإنسان على أخبار الضحايا والموتى إلى درجة أصبح معها الموت جزءًا من يومياته.
ومن هنا يبدأ النص في طرح السؤال الأخطر: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح الموت مألوفًا؟ لأن الموت حين يكون استثناءً يصدمنا، أما حين يصبح يوميًا فقد يتحول إلى عادة. والاعتياد على الموت، في (الناعشون)، لا يعني بالضرورة التصالح معه؛ وربما يعني أن الإنسان بدأ يفقد شيئًا من حساسيته تجاه الحياة.
وأهم ما فعله الحارثي أنه لا يترك النص أسير سؤال: كيف نموت؟ وإنما يدفعه نحو سؤال أكثر عمقًا: كيف نعيش؟ الحارثي نفسه يربط النص بأسئلة الإنسان ووجوده ونهايته، ويتساءل عما إذا كان الاحتفاء المتزايد بالموت يكشف، في جوهره، عن خوف الإنسان من البداية والاستمرار.
وهنا تصبح (الناعشون) مسرحية عن الحياة أكثر مما هي مسرحية عن الموت. الموت هو الباب. لكن الغرفة التي يريد الكاتب أن يدخل إليها هي غرفة الحياة. وهذا التحول هو ما يمنح النص قيمته الفكرية.
ومن أبرز خصائص (الناعشون) أنه لا يعتمد على الحكاية التقليدية ذات البداية والعقدة والتصاعد والنهاية بالمعنى المألوف. فالنص أقرب إلى مجموعة من الحالات والمشاهد والأسئلة التي تتجاور وتتراكم، بدل أن تتقدم في خط حكائي تقليدي.
ومن الملاحظ أن الدراما تتحرك بصورة أفقية أكثر من كونها تصاعدًا عموديًا، وأن الحدث لا يتقدم فقط من خلال الفعل، وإنما من خلال تراكم الأسئلة. وهذا اختيار يتناسب مع طبيعة الموضوع. فلو كان الكاتب يريد حكاية عن شخص يموت، لكان من الممكن بناء قصة تقليدية حوله. لكن الحارثي يريد أن يتحدث عن الموت بوصفه حالة إنسانية عامة. لذلك لم يحتج إلى بطل تقليدي. لقد جعل السؤال نفسه بطلًا.
ومن الملامح اللافتة في النص أن الشخصيات لا تبدو دائمًا شخصيات مكتملة وفق مفهوم الدراما التقليدية، بقدر ما تبدو نماذج إنسانية تحمل أفكارًا ومواقف وأسئلة. وهذا يمنح النص طابعًا تجريديًا. فالإنسان هنا لا يمثل نفسه وحده، وإنما يمكن أن يتحول إلى صوت للإنسان المعاصر. وهذا النوع من الكتابة يحمل مخاطرة واضحة؛ لأن تحول الشخصيات إلى مجرد حوامل للأفكار قد يجعل النص قريبًا من الخطابة. لكن الحارثي يحاول تجاوز هذا الفخ من خلال الشعرية والصورة والحركة المسرحية. وهذه نقطة تستحق الانتباه؛ لأن النص التجريبي لا ينجح بمجرد التخلي عن الحكاية، وإنما يحتاج إلى بديل درامي قادر على شد انتباه المتلقي.
أما لغة (الناعشون) فليست لغة حوار يومي. إنها لغة كثيفة، شعرية، مشحونة بالإيحاء. وقد وصفت إحدى القراءات لغة النص بأنها ذات طبيعة شعرية جنائزية، تتحرك عبر مراكمة الأسئلة لا عبر التصاعد التقليدي للحدث. وهذه الشعرية ليست ترفًا لغويًا. إنها جزء من البناء المسرحي. فالجملة عند الحارثي يمكن أن تؤدي أكثر من وظيفة: أن تقول شيئًا، وأن توحي بشيء آخر، وأن تفتح صورة ثالثة. وبذلك لا يصبح الحوار مجرد تبادل للكلام، وإنما يتحول إلى مادة مسرحية قابلة للتجسيد.
وهنا تظهر خبرة الحارثي الطويلة في الكتابة للمسرح؛ فهو لا يكتب الجملة لكي تُقرأ فقط، وإنما لكي تُقال وتُسمع وتتحول إلى حركة وصورة وإيقاع.
ويمكن قراءة (النعش) في النص بوصفه أهم العلامات السيميائية. إنه ليس مجرد أداة مرتبطة بالموت. ويمكن أن يشير إلى: الموت، والغياب، والذاكرة، والخوف، والفقد، والإنسان، والعالم. وهذه القدرة على تعدد الدلالات هي التي تمنح الرمز المسرحي قوته. فالرمز الناجح ليس الذي يقول معنى واحدًا بوضوح، وإنما الذي يسمح للمشاهد بأن يرى فيه أكثر من معنى. ولهذا فإن النعش في (الناعشون) يمكن أن يتحول من شيء محمول إلى مرآة.
والمفارقة هنا شديدة القسوة: نحن نحمل النعش، لكن النص يسألنا: ماذا لو كان النعش يحملنا نحن؟
المسرح بوصفه سؤالًا لا إجابة
من أجمل ما في تجربة (الناعشون) أن الحارثي لا يمنح المتلقي راحة الإجابة. إنه يضعه أمام السؤال ثم يتركه معه. وهذا جوهر المسرح التجريبي في أفضل حالاته. فالمسرح الذي يجيب عن كل شيء قد ينتهي بانتهاء العرض. أما المسرح الذي يزرع سؤالًا حقيقيًا، فقد يستمر بعد إسدال الستار. وهذا ما يبدو أن الحارثي كان يريده تحديدًا؛ فقد أشار إلى رغبته في أن يجد كل متفرج في العرض سؤالًا يخصه. وهنا لا يعود الجمهور متلقيًا فقط. إنه يصبح شريكًا في إنتاج المعنى.
هل نحن أحياء حقًا؟
ربما يمكن اختزال (الناعشون) كلها في سؤال واحد: هل الحياة مجرد حركة الجسد؟ إذا كان الإنسان يتحرك لكنه فقد الشغف، والأمل، والقدرة على صناعة المستقبل، فهل يمكن أن نسمي ذلك حياة كاملة؟ من هنا تصبح صورة (الناعش) أكثر اتساعًا. الناعش ليس فقط من يحمل الميت. قد يكون هو الإنسان الذي يحمل داخله شيئًا مات، بينما يواصل السير. وهذا التأويل يجعل النص أقرب إلى مرثية للإنسان المعاصر، لا مرثية للموتى.
ما الذي يجعل النص تجريبيًا؟
التجريب هنا ليس مجرد شكل بصري أو غياب للديكور التقليدي. إنه يبدأ من طريقة التفكير في الدراما نفسها. الحارثي يتخلى عن بعض القواعد المألوفة، ويستبدل بها:
– التراكم بدل التصاعد التقليدي.
– السؤال بدل الإجابة.
– النموذج بدل الشخصية المكتملة.
– الرمز بدل الواقعية المباشرة.
– الشعرية بدل الحوار اليومي.
– الحالة بدل الحكاية.
– المشاركة الذهنية للمتلقي بدل التلقي السلبي.
وهذا ما يجعل التجريب في (الناعشون) مرتبطًا بجوهر النص، لا مجرد شكل خارجي. ويمكن النظر إلى (الناعشون) باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لمشروع فهد ردة الحارثي في الكتابة المسرحية التي تنحاز إلى الرمز والأسئلة والبحث عن شكل مختلف للعلاقة بين النص والخشبة.
لكن الجديد هنا هو أن الحارثي يأخذ موضوعًا قديمًا جدًا، وهو الموت، ويضعه داخل أسئلة الإنسان المعاصر. واعتيادنا على الموت ظاهرة معاصرة جدًا. وهنا تصبح راهنية النص واضحة. إنه لا يسأل عن الموت الذي يأتي مرة واحدة، وإنما عن الموت الذي أصبح حاضرًا كل يوم.
لماذا استحق (الناعشون) جائزة أفضل نص؟
أعتقد أن الإجابة لا تكمن في عنصر واحد. استحق النص الجائزة لأنه يجمع بين الفكرة واللغة والبنية والرمز وقابلية التجسيد. والأهم أنه لا يكتفي بأن يقول شيئًا للمشاهد، وإنما يجعله يفكر فيما قيل.
إنه نص لا يطارد المتلقي بالحكاية، وإنما يطارده بالسؤال. وهذه إحدى أصعب مهام الكتابة المسرحية. فالحكاية يمكن أن تنتهي. أما السؤال الحقيقي فلا ينتهي.
الخاتمة: حين يحمل الأحياء نعوشهم
(الناعشون) في جوهرها ليست مسرحية تقول لنا إن الموت قادم. فنحن نعرف ذلك. وليست مسرحية تذكرنا بأن الحياة قصيرة. نعرف ذلك أيضًا. إنها تفعل شيئًا أكثر إزعاجًا: تسألنا عن شكل الحياة التي نعيشها قبل أن يأتي الموت.
وهنا يتحول النعش من خشبة تحمل ميتًا إلى سؤال يحمل حيًا. وربما تكون المفارقة الكبرى في النص أن الذين يمشون في اتجاه المقبرة ليسوا بالضرورة وحدهم الموتى؛ فقد يكون بينهم من لا يزال حيًا، لكنه فقد شيئًا أساسيًا من معنى الحياة. لهذا فإن (الناعشون) لا تنتهي عندما يُسدل الستار. لأن السؤال الذي تتركه ليس: من مات؟ وإنما: من بقي حيًا فعلًا؟ وهذه، في تقديري، هي القيمة الحقيقية للنص الذي نال جائزة أفضل نص؛ أنه لم يجعل الموت خاتمة، وإنما جعله مرآة يرى الإنسان فيها حياته.
كاتب مسرحي
