كُتاب الرأي
اكتب واحرق.. حتى تنضج

اكتب واحرق.. حتى تنضج
بدر بن سالم
الجميع يتساءل عن أسلوبي وطريقتي، وكيف أصبحت لي طريق مختلفة، ولون مختلف، ومسلك لا أشبه فيه أحدًا. ولعل هذا لم يأتِ من فراغ، فقد كنت في أوائل العشرينات حين عزمت ألا آتي يومًا إلا وأنا كامل النضج.
وكان نقشي الأول مع نفسي: اكتب واحرق، فأكبر ناقد لك هو أنت.
توالت الأزمات، وكان مهربي منها بالقرآن والكتب ومن اراة ذا علم بشتى المجالات ، وكلما ظننت أنني اكتفيت، وجدتني أعود إلى كتاب آخر، أو فكرة أخرى، حتى بدأ النضج يتشكل شيئًا فشيئًا.
ولعل النضج يختلف من إنسان إلى آخر؛ فأحيانًا تصقل الأزمات الإنسان، حتى وهو في ريعان شبابه، فتمنحه من الخبرة ما لا تمنحه السنوات وحدها.
أذكر زميلًا لي في أوائل العشرينات، كان ضابطًا، وكان كأنه ساعة سويسرية؛ كل شيء عنده محسوب ومقسم: عمله، وأسرته، وأصدقاؤه، ونظرته للمستقبل. كان في عمر صغير، لكن طريقة تفكيره كانت تقول إن العمر ليس دائمًا مقياسًا للنضج.
وأذكر صديقي محمد بالشرف من اليمن. توفي والده وهو في سن مبكرة، وكان يعمل ونحن في المرحلة المتوسطة. تدرج في حياته حتى أصبح مدير منطقة للشمال والقصيم، وكان مولعًا بالاقتصاد. وكنا في كل فترة نتحدث معًا، وقد تمتد أحاديثنا حتى لا ننتبه إلا وقد أذن الفجر.
هكذا يصنع الإنسان نفسه أحيانًا؛ لا تأتيه الخبرة لأنه طلبها، وإنما تأتيه الحياة بها.
أما نضج الطفل في هذه الفترة فهو أمر صعب؛ لكثرة اعتماده على والديه، ولهذا يجب على الآباء أن يراعوا استقلال أبنائهم بالتدريج، وألا يجعلوا الاعتماد عليهم عادة دائمة.
فالطفل الذي اعتاد أن يُطعَم ويُسقى ويُلبّى له كل شيء، إذا فُطم فجأة، استسلم للبكاء والألم، ثم يبدأ في الأكل وهو يتألم.
وهكذا الإنسان؛ لا تستطيع أن تطلب منه الاستقلال في يوم واحد، بعدما عوّدته على الاتكاء عليك سنوات.
وحتى الدول، لها مراحل من النضج.
وقد تحدث ابن خلدون في مقدمته عن أطوار الدول والأجيال، وكيف يبدأ الجيل الأول بالقوة والبأس، ثم يأتي من بعده من يضعف، حتى يصل الضعف إلى مرحلة الهشاشة والاضمحلال.
لكن الدول ليست سواء، فحين تتجدد الدولة، وتبدأ بوضع أهداف لشعبها، وتبني نهضتها التنموية والاقتصادية، وتجعل سلاحها الأول تعليم أبنائها وتأهيلهم، فإنها تستطيع أن تنتقل من مرحلة إلى مرحلة أخرى.
وقد شاهدت نهضة دول في الشرق، وكيف أصبحت دولًا كبرى تعتمد عليها دول أوروبية اقتصاديًا، حتى إنك تلاحظ أن عجلة الاقتصاد في العالم لا تتحرك أحيانًا إلا بترس من هذه الدول.
وأزمة مضيق هرمز أوضحت للعالم، مرة أخرى، أن قوة الخليج اليوم ليست مجرد بئر نفط أو برميل بترول.
هناك دول نهضت، وبنت اقتصادًا، وطورت بنيتها التحتية، واستثمرت في الإنسان، وأصبحت لها ثقلها في الاقتصاد العالمي.
وكانت تلك اللحظة صفعة حقيقية لكل من ظل يتغنى بتاريخه السابق، وينسى أن الأمم لا تعيش على أمجادها؛ بل بما تصنعه اليوم.
وحين أنظر إلى الإنسان بعد سنوات طويلة من التجارب، أتذكر قول الله تعالى:
﴿حَتّىٰ إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَربَعينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوزِعني أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتي أَنعَمتَ عَلَيَّ وَعَلىٰ والِدَيَّ﴾
فبلوغ الأربعين ليس مجرد رقم يضاف إلى العمر، بل وقفة يرى فيها الإنسان ما مضى، وما تعلمه، وما أخطأ فيه، وما أنعم الله به عليه.
وحين ننظر اليوم إلى ما نراه من تقدم ورقي ونهضة تنموية واقتصادية وتعليمية، فإننا نرى تمام النعم علينا.
حفظ الله المملكة، ومد في عمر مولاي خادم الحرمين الشريفين، وأبعد عنه كل مكروه، وحفظ سيدي ولي العهد، وسدد الله رأيه، وبارك في أبنائه من السعوديين الأكفاء.
فالأوطان أيضًا تنضج، والإنسان ينضج، والأمم التي تعرف كيف تصنع نضجها، لا تعيش على ما كان… بل تصنع ما سيكون.
