*الحرب التي توقفت قبل أن تحسم .*

*الحرب التي توقفت قبل أن تحسم .*
*رؤية تحليلية .*
*توقفت الحرب الأمريكية – الإيرانية الراهنة إلى حد كبير، لكن أحداً لا يستطيع حتى الآن أن يجزم بأنها حسمت. وهنا تكمن إحدى أكثر الظواهر الاستراتيجية إثارة للاهتمام في أزمات الشرق الأوسط المعاصرة، إذ جرت العادة أن تنتهي الحروب بعد أن تتضح نتائجها السياسية والعسكرية بصورة لا تحتمل كثيراً من الجدل، بينما توقفت هذه المواجهة بعد أكثر من (108) أيام من القتال، في وقت ما زالت فيه أبرز الملفات التي دفعت إليها مفتوحة أمام التفاوض والاختبار.*
*فعلى الرغم من تراجع العمليات العسكرية، فإن الملف النووي لم يغلق بصورة نهائية، والعقوبات لم تحسم بالكامل، والأصول المجمدة ما زالت محل نقاش، كما أن الترتيبات الإقليمية التي ستلي الأزمة لم تتضح معالمها بعد. ومع ذلك انتقلت الأطراف من الميدان إلى الطاولة، وهو إنتقال يحمل في حد ذاته دلالة استراتيجية مهمة، لأن 【الحرب لم تتوقف لأن جميع أسبابها اختفت، بل لأن كلفة إستمرارها أصبحت أعلى من كلفة تأجيل حسمها】.*
*هذه الحقيقة تفسر جانباً مهماً من المشهد الراهن، لكنها لا تروي القصة كاملة. فخلف (108) أيام من القتال تقف حصيلة ما يقارب (47) عاماً من 【السياسات الثورية الهجومية للنظام الإيراني】 التي اعتمدت على تصدير الأزمات، ورعاية الأذرع المسلحة الخارجية الإرهابية ، وتفعيل الخلايا الجاسوسية والتخريبية النائمة، وتغذية الصراعات الإقليمية لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية، الأمر الذي أسهم في إطالة أمد التوتر وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط لعقود متعاقبة* .
*وعلى امتداد تلك العقود، بني جزء كبير من التفكير الاستراتيجي الإيراني على افتراض أن توسيع النفوذ الإقليمي يوفر عمقاً أمنياً دائماً، وأن إدارة الأزمات أقل كلفة من تسويتها، وأن الضغوط المتبادلة يمكن أن تشكل بديلاً عن بناء الثقة والشراكات المستقرة. غير أن المواجهة الأخيرة وضعت هذه الفرضيات أمام اختبار غير مسبوق.*
*فقد أظهرت أن 【النفوذ الذي يستهلك الموارد أكثر مما ينتج الاستقرار يتحول مع الزمن من أصل استراتيجي إلى عبء استراتيجي】، كما كشفت في الوقت نفسه حدود القوة العسكرية بوصفها أداة منفردة لإنتاج الاستقرار، فالقوة تستطيع فرض الوقائع وتغيير الموازين، لكنها لا تستطيع وحدها بناء نظام إقليمي متوازن ومستدام.*
*ومن هنا لم يعد السؤال الأكثر أهمية يتعلق بمن انتصر أو بمن خسر، بل بمن نجح في 【تشكيل قواعد المرحلة التالية】. فـ【المرحلة الأولى كانت مرحلة الحرب، أما المرحلة الثانية فهي مرحلة هندسة النتائج】، والفرق بينهما أن 【الأولى حركتها القوة، بينما تحرك الثانية المصالح】. وفي هذه المساحة تحديداً تبدأ المعركة الأكثر تعقيداً، لأن واشنطن لم تحسم بعد مستقبل البرنامج النووي بصورة نهائية، وطهران لم تحصل بعد على جميع المكاسب الاقتصادية والسياسية التي تطمح إليها، كما أن البيئة الإقليمية الجديدة لم تستقر قواعدها بعد.*
*ولهذا يبدو ما نشهده اليوم أقرب إلى إدارة للخلاف منه إلى تسوية نهائية له. ولعل أكثر ما يميز هذه الأزمة أن جميع الأطراف تتحدث بلغة النجاح، رغم أن معظم الملفات التي دخلت المواجهة بسببها ما زالت مطروحة على طاولة التفاوض. ومن هنا تبرز مفارقة نادرة في العلاقات الدولية، إذ إن 【الأطراف أعلنت انتصارها قبل أن تُحسم نتائج الصراع بصورة نهائية، بينما ما زالت القضايا التي أشعلت الأزمة تبحث عن صيغة للحل】.*
*ولأن التفاوض الجاري تجاوز حدود الملف النووي والعقوبات وأمن الملاحة، فقد أصبح يدور بصورة متزايدة حول شكل التوازنات الإقليمية القادمة، وقواعد الردع الجديدة، وآليات إدارة الأزمات خلال السنوات المقبلة. وربما تكمن المفارقة الأهم في أن جميع الأطراف دخلت الصراع وهي تسعى إلى تغيير سلوك خصومها، لكنها خرجت منه وهي مضطرة إلى مراجعة بعض حساباتها هي أيضاً، وتلك غالباً إحدى العلامات التي تسبق التسويات الكبرى في التاريخ.*
*ومن هذا المنطلق بدت الرؤية السعودية أكثر وضوحاً واتزاناً طوال الأزمة، إذ انطلقت من دعم الاستقرار، واحترام سيادة الدول، وحماية أمن الخليج العربي، ورفض سياسات التدخل والتصعيد، والدعوة إلى معالجة جذور الأزمات بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجها.*
*ولهذا فإن أخطر ما قد تواجهه المنطقة ليس انهيار التفاهمات الحالية، بل 【نجاح تسوية مؤقتة تؤجل أسباب الصراع من دون أن تعالجها】. فالتاريخ مليء باتفاقات أوقفت القتال، لكنها لم توقف أسباب العودة إليه، كما أن كثيراً من الأزمات الكبرى لم تفشل بسبب نقص التفاهمات، بل بسبب غياب الإرادة الكافية لمعالجة جذورها.*
*ورغم توقف المعارك إلى حد كبير، فإن الأسئلة الكبرى التي أفرزتها الأزمة ما زالت قائمة، كما أن مستقبل المنطقة لم يستقر بعد على صورة نهائية يمكن الاطمئنان إلى دوامها. ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأشهر المقبلة: هل تغيرت الحسابات التي صنعت الأزمة طوال العقود الماضية، أم أن الجميع اكتفى بتأجيل الحسم إلى موعد آخر؟*
*فالجغرافيا لا تغير موقعها، لكن الدول الحكيمة تغير سلوكها، والتاريخ يخبرنا أن السلام لا يصنعه من يربح الجولة الأخيرة، بل من يتعلم من الجولة السابقة. وقد يكون الدرس الأهم في هذه المواجهة أن الصراعات الطويلة لا تنتهي عندما يتعب المتحاربون فقط، بل عندما يقتنعون أن كلفة استمرار الماضي أصبحت أعلى من كلفة بناء المستقبل.*
【*بعض الحروب تتوقف عندما تنفد الذخيرة، وأخطرها ما يتوقف قبل أن تنفد أسبابه.*】
【*الأزمات المؤجلة لا تختفي، بل تنتظر ظرفاً جديداً للعودة.*】
【*الحكمة ليست في إنهاء المعركة، بل في إزالة الحاجة إلى معركة أخرى.*】

