من الاعتراض إلى الردع

من الاعتراض إلى الردع
فلسفة الأمن الوطني السعودي
*رؤية تحليلية للكاتب .*
*قراءة استراتيجية لحق المملكة العربية السعودية في الدفاع المشروع عن مصالحها الوطنية وفقا للقانون الدولي*.
*الأربعاء الموافق (29) يوليو 2026م .*
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .
حين تستهدف المصالح الوطنية، يصبح الدفاع عنها واجبا، ويغدو توظيف القوة بحكمة أساسا للردع وصون الاستقرار.
تتعرض الدول بين حين وآخر لاختبارات تكشف حقيقة فلسفتها في إدارة الأمن الوطني؛ فثمة دول تبادر بردود أفعال آنية، وثمة دول تبني قراراتها على رؤية استراتيجية تجمع بين الحكمة، والقدرة، والمصلحة الوطنية. وقد برهنت المملكة العربية السعودية في التطورات الأخيرة أنها تنتمي إلى النموذج الثاني، إذ أدارت الموقف بمنهج الدولة الواثقة التي تجعل القرار السياسي أساسا، والقوة العسكرية أداة مشروعة، والقانون الدولي مرجعية تحكم استخدام القوة، بما يعكس نضج مؤسساتها وثبات نهجها في حماية أمنها الوطني.
*أولا: الموقف العام .*
أثبتت المملكة العربية السعودية مجددا أن الدفاع عن الأمن الوطني ليس رد فعل آنيا، وإنما قرار وطني تحكمه رؤية استراتيجية، وتستند مشروعيته إلى قواعد القانون الدولي، وتنفذه مؤسسات الدولة بكفاءة وانضباط. وقد تجلى ذلك بوضوح عقب الهجمات العدوانية ( الغاشمة ) التي نفذتها مليشيات إرهابية عراقية مسلحة موالية للنظام الإيراني، انطلاقا من الأراضي العراقية، باستخدام طائرات مسيرة استهدفت منشآت الطاقة والمصالح الوطنية السعودية. ولم يكن مصدر هذا التهديد خارج الحسابات الاستراتيجية، بل أصبح جزءا من البيئة الأمنية الإقليمية التي تفرض على الدولة تحديث أدوات الردع، ورفع جاهزية الدفاع عن مصالحها الوطنية. فجاءت استجابة المملكة ضمن منظومة متكاملة جمعت بين الجاهزية العسكرية، والقرار السياسي، والتحرك الدبلوماسي، بما أكد أن حماية الوطن مسؤولية تمارس بحكمة، وتحسم عند الضرورة بقوة مشروعة.
ولم يكن تسلسل المواقف الرسمية مصادفة، بل جسد انسجاما مؤسسيا بين القيادة السياسية، والجهات العسكرية، والأجهزة الدبلوماسية المنفذة ، بما يؤكد أن القرارات المتعلقة بالأمن الوطني تصدر وفق تقدير شامل يوازن بين مقتضيات الدفاع المشروع، ومتطلبات الاستقرار الإقليمي، واحترام قواعد القانون الدولي.
ومن منظور استراتيجي، لم يكن الهدف إحباط التهديد فحسب، بل إعادة تشكيل معادلة الردع. فحين تدرك الجهات المعتدية أن الاعتداء لن يحقق أهدافه، وأن الدولة المستهدفة تمتلك الإرادة، والقدرة، والمشروعية لحماية مصالحها الوطنية، تتغير حسابات المخاطرة، وتتراجع جدوى استخدام القوة أو التهديد بها لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية.
*ثانيا: الأساس القانوني للدفاع المشروع .*
كفل القانون الدولي للدول حق الدفاع المشروع عن النفس عند تعرضها لاعتداء مسلح، وهو حق أصيل أكدته المادة الحادية والخمسون من ميثاق الأمم المتحدة، باعتباره استثناء مشروعا على مبدأ حظر استخدام القوة. ويستند هذا الحق إلى حماية الدولة لمواطنيها، ومصالحها الوطنية، ومنشآتها الحيوية، متى ثبت وقوع اعتداء يهدد أمنها أو سلامتها.
ومن هذا المنطلق، فإن ممارسة المملكة لهذا الحق لا تمثل خروجا على قواعد القانون الدولي، بل تطبيقا لها. كما أن مطالبة الدولة التي تنطلق من أراضيها الاعتداءات بمنع استخدامها منصة للأعمال العدائية تمثل التزاما مستقرا في العلاقات الدولية، يهدف إلى صون أمن الدول ومنع اتساع النزاعات.
*ثالثا: القراءة العملياتية والعسكرية .*
تؤكد طبيعة التهديدات الحديثة أن الطائرات المسيّرة أصبحت إحدى أبرز أدوات الحروب غير التقليدية، لما تمتلكه من قدرة على استهداف المنشآت الحيوية بتكاليف منخفضة وبصعوبة نسبية في الاكتشاف المبكر. غير أن نجاح الدفاعات الجوية السعودية في اعتراض هذه التهديدات يعكس مستوى متقدما من الجاهزية، والتكامل بين منظومات الإنذار المبكر، والقيادة والسيطرة، ووسائل الاعتراض.
كما أن نجاح عملية الاعتراض لا يقاس بعدد الأهداف التي جرى إسقاطها فحسب، بل بقدرة الدولة على ضمان استمرار عمل منشآتها الحيوية، والمحافظة على استقرار الاقتصاد الوطني، وإفشال الأهداف العسكرية والسياسية التي يسعى المعتدي إلى تحقيقها.
وتؤكد الخبرات العسكرية الحديثة أن الردع الحقيقي لا يتحقق بمجرد امتلاك القوة، وإنما بامتلاك القدرة على توظيفها بحكمة، وإظهار الجاهزية لاستخدامها عند الضرورة، مع وضوح الإرادة السياسية التي تمنحها المصداقية. ومن هنا، فإن الدولة التي تجمع بين كفاءة قواتها المسلحة، ورسوخ مؤسساتها، وحكمة قرارها، والالتزام بالقانون الدولي، تمتلك من عناصر الردع ما يفوق في أثره كثيرا حجم القوة المادية وحدها.
*رابعا: فلسفة القرار السعودي في إدارة القوة .*
تؤمن المملكة بأن القوة العسكرية ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة من أدوات السياسة الوطنية، تستخدم عند الضرورة لتحقيق أهداف مشروعة، وفي الحدود التي تفرضها المصلحة الوطنية وقواعد القانون الدولي. ولذلك، يسبق القرار السياسي دائما الاستخدام المحتمل للقوة، ويحدد أهدافها، ونطاقها، وتوقيتها، وآليات إنهائها، بما يحافظ على التوازن بين الحزم والمسؤولية.
كما أن المملكة تميز بين الدول ومؤسساتها الرسمية، وبين الجماعات الإرهابية المسلحة التي تمارس أعمالا تهدد الأمن والاستقرار، وهو تمييز يعكس نهجا مسؤولا يحافظ على العلاقات بين الدول، ويمنع توسيع دائرة الصراع بما يتجاوز مصادر التهديد الحقيقية.
*خامسا: مستقبل الردع في البيئة الإقليمية .*
تكشف هذه التطورات أن حماية المصالح الوطنية لم تعد تقتصر على حماية الحدود الجغرافية، بل أصبحت تشمل أمن الطاقة، وسلامة البنية التحتية، وحرية الملاحة، واستمرار سلاسل الإمداد، واستقرار الاقتصاد الوطني.
كما تؤكد التجارب العسكرية المعاصرة أن الردع الفاعل لا يتحقق بكثرة الوسائط القتالية وحدها، بل ببناء منظومة وطنية متكاملة تشمل القيادة الرشيدة، والاستخبارات، والدفاع الجوي، والأمن السيبراني، والجاهزية اللوجستية، والدبلوماسية الفاعلة، والاقتصاد القادر على امتصاص الصدمات. وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح الأمن الوطني منظومة مستدامة قادرة على مواجهة التهديدات مهما تغيرت طبيعتها.
*الخاتمة .*
*ولعل الهجمات الإرهابية العدوانية ( الآثمة ) الأخيرة التي انطلقت من الأراضي العراقية ضد منشآت الطاقة والمصالح الوطنية السعودية تقدم نموذجا عمليا لفلسفة الأمن الوطني السعودي في إدارة الأزمات الأمنية؛ إذ جمعت المملكة بين الحزم العسكري، والشرعية القانونية، والحكمة السياسية، مع تمسكها بحقها الأصيل في الدفاع المشروع عن أمنها ومصالحها الوطنية وفقا لقواعد القانون الدولي. وبهذا النهج، تواصل المملكة ترسيخ مكانتها دولة مسؤولة تجمع بين قوة الردع، وحكمة القرار، واحترام القانون الدولي، بما يعزز أمنها الوطني، ويسهم في أمن المنطقة واستقرارها*.
*المصالح الوطنية حق لا يقبل المساومة، والدفاع المشروع حق تكفله قواعد القانون الدولي، والردع وسيلة لحماية السلام لا لإشعال الصراعات، والقرار السياسي هو الذي يقود القوة العسكرية ويحدد أهدافها وحدودها، وحماية المصالح الوطنية مسؤولية مستمرة لا ترتبط بظرف أو حادثة.*
*وحين تجتمع الرؤية، والقوة، والحكمة، تصبح حماية المصالح الوطنية نهجا راسخا، لا استجابة مؤقتة. فليست قوة الدول فيما تملكه من وسائل الردع وحدها، وإنما في حكمة القرار، ورسوخ مؤسساتها، وقدرتها على تحويل القوة إلى أمن، والردع إلى إستقرار، والمصلحة الوطنية العليا إلى بوصلة لكل قرار .*
كاتب رأي
