كُتاب الرأي
«حين لا تملك الأم حقّ الانهيار»

«حين لا تملك الأم حقّ الانهيار»
بعض النساء لا يبدأن حياتهن قويات…
لكن الحياة لا تترك لهن خيارًا آخر.
تأتي لحظةٌ يتغيّر فيها كل شيء.
يصمت صوتٌ كان يملأ البيت.
يصبح مكانٌ ما فارغًا.
ويغيب رجلٌ كانت هناك مسؤوليات كثيرة تستند إلى وجوده.
ثم يلتفت الأطفال إلى أمهم…
وكأنهم يسألونها بعيونهم:
وماذا سنفعل الآن؟
وهنا…
لا تستطيع الأم أن تنهار طويلًا.
ليس لأنها لا تتألم.
بل لأن خلفها قلوبًا صغيرة، إن رأت خوفها خافت، وإن رأت سقوطها شعرت أن العالم كله قد سقط.
فتفعل شيئًا لا يعرف أحدٌ كم هو قاسٍ…
تخفي وجعها.
تمسح دمعتها قبل أن تصل إليهم.
تبتسم…
وهي في داخلها تبحث عمّن يطمئنها هي.
تقول لهم:
«أنا هنا.»
بينما لا يوجد خلفها من يقول لها الجملة نفسها.
ومنذ ذلك اليوم…
تبدأ حياة أخرى.
تصبح الأم صوت الأب حين يحتاجون إلى الحزم.
وتصبح حضن الأم حين يثقلهم الحزن.
تتابع مدارسهم.
تمرّ على أسرّتهم ليلًا.
تحفظ مواعيدهم وأدويتهم وأحلامهم ومخاوفهم.
تراقب وجوههم أكثر مما تنظر إلى وجهها في المرآة.
وحين يمرض أحدهم…
تتمنى لو أن الألم اختارها بدلاً منه.
وحين يحزن أحدهم…
تشعر أن الحزن دخل صدرها هي.
وحين ينجح…
تصفق له بقلبين.
قلب الأم…
وقلب الأب الغائب.
ولا أحد يعرف كم مرة دخلت متجرًا لتشتري شيئًا لنفسها، ثم توقفت لحظة وقالت:
الأبناء أولى.
كم مرة أخّرت حاجتها؟
كم مرة لبست ابتسامتها القديمة كي تمنحهم يومًا جديدًا؟
وكم مرة نام الجميع…
وبقيت هي وحدها؟
البيت ساكن.
والأنفاس هادئة.
والأبناء نائمون مطمئنين.
أما هي…
فتحدق في سقف الغرفة.
تفكر في الغد.
في المصاريف.
في الدراسة.
في المرض.
في المستقبل.
في هؤلاء الذين أصبحوا أمانةً كاملة في قلبها.
ثم ترفع يدها إلى السماء، ولا تطلب لنفسها شيئًا.
تقول فقط:
«يا رب… احفظهم لي.»
ما أقسى أن تكوني أنتِ ملجأ الجميع…
ولا يعرف أحد أين تذهبين حين تخافين.
وما أصعب أن تكوني اليد التي تمسح دموعهم…
بينما تتعلمين كل ليلة كيف تمسحين دموعك وحدك.
لكنها تمضي.
يوماً بعد يوم.
وسنةً بعد سنة.
تكبر ملامح أبنائها أمام عينيها…
بينما يكبر التعب في ملامحها دون أن تنتبه.
تراهم يخطون نحو الحياة…
ولا يعرفون أن خلف كل خطوة خطوها، كانت هناك امرأة دفعت من عمرها شيئًا.
كان هناك نومٌ ناقص.
وحلمٌ مؤجل.
ورغبةٌ تنازلت عنها.
ودمعةٌ ابتلعتها.
وخوفٌ أخفته.
ودعوةٌ قالتها في جوف الليل ولم يسمعها أحد إلا الله.
ومع ذلك…
هذه المرأة لا تُرثى.
ولا تحتاج إلى نظرة شفقة.
بل يُرفع لها الرأس احترامًا.
لأنها حين غاب عنها السند…
لم تسقط.
وحين مالت الحياة…
وقفت.
وحين شعرت أنها لا تستطيع…
نظرت إلى أبنائها…
واستطاعت.
وسيأتي يوم يكبر فيه هؤلاء الأبناء.
سيخرجون إلى الدنيا.
وسيصبح لكل واحدٍ منهم حياته وطريقه.
وقد ينسون كثيرًا من التفاصيل.
ينسون حقيبة حملتها.
وموعدًا انتظرته.
وفاتورة دفعتها.
وليلةً سهرتها.
لكنهم لن ينسوا أبدًا شعورًا واحدًا:
أن أمهم كانت هناك دائمًا.
وحين يبحثون في ذاكرتهم عن معنى الأمان…
سيجدون وجهها.
وعن معنى القوة…
سيجدون يديها.
وعن معنى التضحية…
سيجدون عمرها.
ويا أنتِ…
يا من حملتِ البيت حين كان قلبك نفسه يحتاج من يحمله…
يا من صنعتِ من التعب طريقًا…
ومن الخوف شجاعة…
ومن الفقد حياة…
ارفعي رأسك عاليًا.
لا تقيسي نفسك بما فقدتِ.
انظري إلى ما بقي واقفًا لأنكِ لم تسقطي.
انظري إلى أبنائك.
إلى أيامهم.
إلى ضحكاتهم.
إلى كل خطوة وصلوا إليها.
ثم قولي لقلبك بكل فخر:
أنا فعلتُ ما استطعت… وأكثر.
وإن لم يخبرك أحد يومًا أنك عظيمة…
فاسمعيها اليوم جيدًا:
لقد كنتِ جيشًا في هيئة أم.
كنتِ اليد حين غابت اليد…
والكتف حين غاب الكتف…
والباب الذي لم يُغلق…
والوطن الذي لم يهجر أبناءه.
وما بقي واقفًا حولك اليوم…
كان يومًا قائمًا على قلبك أنتِ.
