كُتاب الرأي
حين تكشف المواقف معادن البشر

حين تكشف المواقف معادن البشر
ليست الملامح شهادةَ صلاح، ولا الكلمات المنمّقة دليلَ نقاء، ولا الهيئة الحسنة ضمانًا لما يسكن خلفها؛ فمعادن البشر لا تُقرأ في وجوههم، بل تكشفها المواقف، ولا سيما حين يكون الطرف الآخر ضعيفًا لا يملك ردّ الأذى ولا مكافأة الإحسان.
وفي السنة النبوية صورتان متقابلتان تختصران هذا المعنى على نحوٍ بليغ؛ امرأة رأت كلبًا يلهث من شدة العطش، فنزلت إلى البئر، وملأت خفّها ماءً وسقته، فشكر الله لها وغفر لها. وفي المقابل، امرأة حبست هرة، فلم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض، فكانت قسوتها عليها سببًا للعقوبة. والقصتان ثابتتان في الصحيحين.
لم يكن بين المرأتين وبين تلك المخلوقات مصلحة، ولم يكن هناك جمهور يصفق للرحمة أو يلوم على القسوة. كان موقفًا خفيًا، وهنا تحديدًا ظهرت حقيقة المعدن.
فالرحمة التي لا تنتظر مقابلًا هي أصدق الرحمة، والإحسان حين يقع في موضع لا يعود على صاحبه بشيء هو أصدق الإحسان. وعلى الجانب الآخر، فإن القدرة على إيذاء الضعيف ثم فعل ذلك تكشف من الإنسان ما قد تستره سنوات من حسن الحديث وجمال المظهر.
ولهذا جاء الميزان النبوي واضحًا: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» رواه مسلم.
كم نحتاج إلى هذا الميزان في قراءة الناس؛ فلا تمنحنا هيئةٌ مطمئنة ثقةً مطلقة، ولا تسلب هيئةٌ بسيطة أحدًا فضله. فهناك من يسبق مظهره إلى أعيننا، ثم تتأخر حقيقته حتى يأتي الموقف؛ وهناك من لا يلفت النظر، لكن موقفًا واحدًا منه يجعلك ترى جمالًا لم تستطع الملامح أن تقوله.
المواقف لا تصنع معادن البشر، بل تكشفها؛
وحين تكون قادرًا على الأذى فتختار الرحمة،
أو قادرًا على المنع فتختار العطاء،
فهناك تُكتب سيرتك الحقيقية… بعيدًا عن أعين الناس.