ما الذي لا يحدث في اليمن؟

ما الذي لا يحدث في اليمن؟
في بلاد العالم إذا فشل المسؤول… غادر.
وإذا سرق… حوسب.
وإذا كثرت حوله الشبهات… جُمّدت صلاحياته.
وإذا غضب الناس من أدائه… فُتح الملف.
أما في اليمن، فالسؤال الأصح ليس: ما الذي يحدث؟
بل: ما الذي لا يحدث؟!
لا يحدث أن يُسأل الفاشل: لماذا فشلت؟
لا يحدث أن يُقال للمقصّر: كفى.
لا يحدث أن يُفتح ملف الفساد حتى آخر ورقة.
لا يحدث أن يُعاد المال العام إلى أهله.
ولا يحدث أن يرى المواطن عدلاً يبرد قلبه، أو محاسبة تشعره أن هناك دولة تحميه لا سلطة تتفرج عليه.
العجيب أن بعض المسؤولين عندنا لا تسقطهم الشبهات، بل ترفعهم!
كلما زادت الشكاوى… اتسع الكرسي.
وكلما تعالت الأصوات… ارتفع المنصب.
وكلما تراكم الفشل… جاءت الترقية كأنها مكافأة نهاية خراب.
وكأن لسان الحال يقول:
من أراد منصباً أعلى، فليُكثر من الأخطاء.
ومن أراد نفوذاً أكبر، فليترك خلفه طوابير من المواطنين المقهورين، وفواتير كهرباء، وانقطاعات ماء، ورواتب معلّقة، وملفات منسية.
في اليمن لا يموت الفساد جوعاً، بل يُطعم من المال العام.
ولا يدخل الفاشل المتحف كعبرة، بل يدخل المكتب الجديد كقيادة.
ولا يُحاسب من أضاع الخدمات، بل يُعاد تدويره كما تُعاد تدوير النفايات، لكن الفارق أن النفايات أحياناً تتحول إلى شيء نافع!
المواطن المسكين يسأل: أين الكهرباء؟
فيقال له: اصبر.
أين الماء؟
اصبر.
أين الراتب؟
اصبر.
أين المحاسبة؟
اصبر.
أين الدولة؟
هنا ينتهي البث فجأة!
لقد تعب الناس من الخطب، ومن لجان لا تلد إلا لجاناً، ومن وعود تشبه الكهرباء: تأتي دقيقة وتنقطع شهراً.
تعبوا من مسؤول يتحدث عن النزاهة وكأنها برنامج وثائقي عن كوكب آخر، ثم يعود إلى مكتبه محاطاً بالحاشية والمجاملين وكأن البلد بألف خير.
إن أخطر ما يحدث في اليمن هو أن المواطن بدأ يعتاد الظلم، وهذه كارثة أكبر من الفساد نفسه.
فعندما يصبح الفاسد وجيهاً، والفاشل قائداً، والمقصر محمياً، والصادق متعباً، فاعلم أن الخلل لم يعد في الأشخاص فقط، بل في القاعدة التي جعلت المنصب غنيمة لا أمانة.
الأوطان لا تنهار دفعة واحدة.
تنهار عندما يصبح السؤال عن الفساد وقاحة.
وعندما تصبح المطالبة بالمحاسبة فتنة.
وعندما يصبح الصمت حكمة.
وعندما يصبح المواطن آخر من يعلم، وأول من يدفع الثمن.
ما الذي لا يحدث في اليمن؟
لا تحدث المحاسبة كما ينبغي.
لا تحدث الشفافية كما نسمعها.
لا يحدث الإصلاح كما يُعلن عنه.
لا يحدث أن يُقال للفاسد: توقف.
ولا يحدث أن يُقال للمواطن: حقك محفوظ.
ولهذا سنظل نسأل، لا لأننا لا نعرف الجواب، بل لأن السؤال أحياناً آخر ما تبقى من كرامة الشعوب:
ما الذي لا يحدث في اليمن؟!
