🔴🔹 حوار الطرشان

🔴🔹 حوار الطرشان
حين تتحوّل المفاوضات إلى حقل ألغام سياسي
استكمالًا لما طرحته سابقًا في سلسلة مقالاتي حول المشهد الأمريكي الإيراني، بدءًا من مقال «أمريكا والنظام الإيراني»، ثم مقال «الشيطان الإيراني هو التفاصيل» بتاريخ 25 مايو 2026م، مرورًا بمقال «حوار الطرشان مستمر… وتوم وجيري في مضيق هرمز» بتاريخ 29 مايو 2026م، وصولًا إلى مقال «حوار الطرشان… حين يتحوّل الاتفاق إلى قنبلة مؤجلة» بتاريخ 3 يونيو 2026م، يتأكد اليوم أكثر من أي وقت مضى أن ما يجري ليس مفاوضات طبيعية بقدر ما هو إدارة صراع طويل الأمد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية بشكل غير مسبوق.
لكن التطور الأخطر اليوم… أن هذا “الحوار” بدأ ينهار تحت وزن الملفات المتراكمة فوقه.
لم يعد الحديث فقط عن الملف النووي الإيراني، بل أصبحنا أمام سلّة متفجرة تضم:
مضيق هرمز، أمن الخليج، العقوبات، أذرع إيران في المنطقة، لبنان، العراق، سوريا، الملاحة الدولية، أسعار الطاقة، وحتى مستقبل التوازنات الدولية بين أمريكا والصين وروسيا.
وهنا تكمن الكارثة…
فكلما حاولت واشنطن وطهران جمع هذه الملفات داخل اتفاق واحد، تحوّل الاتفاق نفسه إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار عند أول أزمة ميدانية أو صاروخ طائش أو اشتباك بحري.
التقارير الغربية نفسها بدأت تعترف بأن الخطر الحقيقي لم يعد “فشل الاتفاق”، بل انهياره بسبب تضخم الملفات داخله، وتحويله إلى مشروع لإعادة هندسة الشرق الأوسط بالكامل، وهو أمر أكبر من قدرة أي إدارة أمريكية أو نظام إيراني على تحمّله.
والأخطر من ذلك… أن الخليج أصبح يدفع ثمن صراع ليس طرفًا رئيسيًا فيه.
الهجمات العسكرية الأخيرة في محيط الخليج، والتوترات المتصاعدة في مضيق هرمز، تؤكد أن المنطقة أصبحت رهينة “حوار الطرشان”؛ أمريكا تهدد لكنها لا تريد الحرب، وإيران تبتز لكنها تخشى المواجهة الشاملة، بينما تبقى دول الخليج في مرمى النيران اقتصاديًا وأمنيًا.
المشهد اليوم يشبه محاولة جمع البنزين والنار داخل غرفة مغلقة ثم الحديث عن “السلام”.
ولهذا بدأت أصوات غربية تتحدث عن فكرة “السلام البارد” بدلًا من الاتفاق الشامل؛ أي احتواء الصراع لا إنهاؤه، ووضع خطوط تمنع الانفجار الكامل دون أوهام المصالحة الحقيقية.
وهنا تحديدًا تظهر عبقرية الرؤية السعودية…
فالمملكة منذ سنوات تتعامل مع المنطقة بعقلية “إدارة المخاطر” لا بعقلية الشعارات والانفعالات، وتفهم أن استقرار المنطقة لا يُبنى على الثقة بإيران، بل على توازن الردع، وتنويع التحالفات، وبناء اقتصاد قوي ومسارات طاقة وتجاره بديلة تجعل الخليج أقل عرضة للابتزاز الإيراني.
ولذلك لم تعد معركة الخليج اليوم عسكرية فقط، بل أصبحت معركة ممرات بحرية، وخطوط طاقة، وكابلات إنترنت، وتحالفات اقتصادية، ومن يقرأ المشهد بعمق سيدرك أن العالم بدأ فعليًا يبحث عن بدائل لمضيق هرمز قبل أن يتحوّل إلى فوهة بركان دائمة.
الخلاصة؟
“حوار الطرشان” لم يعد مجرد مفاوضات عبثية…
بل أصبح عملية شراء وقت متبادل بين واشنطن وطهران، بينما المنطقة بأكملها تعيش فوق صفيح ساخن، بانتظار اللحظة التي ينهار فيها هذا البناء الهش تحت ثقله السياسي والعسكري والاقتصادي.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل ما نراه هو اتفاق سلام قادم… أم مجرد هدنة مؤقتة قبل جولة أكبر من الفوضى؟
م. صالح بن سعيد المرزم
10 يونيو 2026م
