حزب الشيطان

حزب الشيطان
بندقية مأجورة أم سرطان مزروع في جسد الأوطان؟
لم أتناول من قبل ملف حزب الله، أو كما أراه: حزب الشيطان، لا لأن جرائمه خافية، ولا لأن خطابه يستحق الصمت، بل لأن حجم الخداع الذي مارسه هذا الحزب لعقود يحتاج إلى قراءة أعمق من مجرد رد سياسي عابر. نحن أمام تنظيم رفع راية “المقاومة”، ثم لم يترك للبنان إلا الركام، ولم يترك للقضية الفلسطينية إلا مزيدًا من المتاجرة والدمار والتهجير.
منذ عشرات السنين، والحزب يزمجر ويهدد ويتوعد، وكأن تحرير فلسطين سيتم عبر الميكروفونات والخطب النارية. والنتيجة؟ صفر استراتيجي، وخراب لبناني كامل، واقتصاد منهار، ودولة مخطوفة، وشعب يدفع الثمن من دمه وبيته ولقمة عيشه.
الأخطر أن هذا الحزب لم يكن يومًا مشروع دولة، بل مشروع اختطاف دولة. لم يكن مقاومة وطنية، بل ذراعًا عابرة للحدود، تتحرك حيث يريد الممول، وتشتعل حيث يريد الراعي، وتهدأ حيث تقتضي الصفقة. وكلما احتاجت المنطقة إلى إشعال، خرج الحزب من كهفه بخطاب النار، وكلما احتاجت القوى الكبرى إلى مبرر، قدّم لها الحزب المبرر جاهزًا ومجانًا.
ومن أغرب المحطات التي لم تأخذ حقها من الضوء: ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. فالحزب الذي باع الناس لعقود شعارات “الممانعة” و“الموت لإسرائيل”، بارك عمليًا اتفاقًا انتهى إلى تثبيت مكاسب إسرائيلية واضحة في البحر، بينما حصل لبنان على ترتيبات محدودة ومشروطة. فأين كانت الزمجرة؟ وأين ذهبت الصواريخ؟ ولماذا تحوّل الصوت العالي فجأة إلى غطاء سياسي لاتفاق بحري حساس مع العدو الذي يزعم الحزب أنه لا يعترف به؟
هنا يظهر السؤال الكبير: هل كان الحزب يقاتل إسرائيل فعلًا، أم كان يؤدي وظيفة محددة داخل لعبة أكبر؟ وهل كانت موافقته على ذلك الترتيب عربون خدمة انتهت بعده صلاحية الرجل والمرحلة؟ ثم جاءت تصفية حسن نصرالله لتفتح بابًا آخر من الأسئلة: هل انتهى الدور؟ هل أصبح الحزب عبئًا على من صنعوه؟ أم أن الأدوات عندما تستهلك يتم التخلص منها بدم بارد؟
أما جنوب لبنان، فالقصة أكثر وضوحًا. كان المطلوب دوليًا أن يكون جنوب الليطاني خارج سيطرة السلاح غير الشرعي، وأن تعود الدولة اللبنانية بجيشها ومؤسساتها لتكون صاحبة القرار. لكن الحزب رفض، وراوغ، وتحصّن بين الناس، وكأنه يقول لإسرائيل: تفضلي، هذا هو العذر الذي تحتاجينه. ثم حين وقع الاجتياح والدمار، دفع المدني اللبناني الثمن، لا قيادات الحزب ولا رعاته في الخارج.
وهكذا يتحول السلاح الذي قيل إنه لحماية لبنان إلى سبب لتدمير لبنان. ويتحول شعار المقاومة إلى رخصة مفتوحة لجرّ البلد إلى الحروب. ويتحول الحزب من قوة تزعم الدفاع عن الأرض إلى سرطان سياسي وأمني داخل الدولة، يستنزفها من الداخل، ويمنح خصومها كل الذرائع لضربها من الخارج.
المأساة ليست في أن حزب الله فشل فقط، بل في أنه نجح في المهمة الأخطر: تدمير مفهوم الدولة، ومصادرة قرار الحرب والسلم، وتحويل لبنان من وطن إلى ساحة بريد مفتوح بين إيران وإسرائيل والغرب. وكلما احترق لبنان، قالوا: مقاومة. وكلما تهجّر الناس، قالوا: تضحية. وكلما ضاعت السيادة، قالوا: محور.
والحقيقة أن من لا يحمي شعبه لا يحق له الحديث عن المقاومة. ومن يختبئ بين المدنيين ثم يتركهم تحت القصف ليس بطلًا، بل مقامر. ومن يجعل وطنه وقودًا لصراعات الآخرين لا يمثل الأمة، بل يمثل من يدفع له ويأمره.
كفى عبثًا بلبنان. كفى تقديسًا للأحزاب التي تتاجر بالدم. كفى تحويل فلسطين إلى لافتة دعائية لكل مشروع ميليشياوي فاشل. فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى تجار شعارات، ولبنان لا يحتاج إلى حزب فوق الدولة، والعرب لا يحتاجون إلى مقاومة تصنع الخراب أكثر مما تصنع التحرير.
حزب الله لم يحرر فلسطين، ولم يبنِ لبنان، ولم يحمِ الجنوب. كل ما فعله أنه رفع الصوت عاليًا، وترك النتيجة كارثية: دولة منهكة، شعب مهاجر، مدن مدمرة، وسيادة ممزقة.
إنها ليست مقاومة… إنها وظيفة.
وليست بطولة… إنها ورطة.
وليس حزبًا إلهيًا كما يدّعي… بل حزبٌ شيطانيٌّ أتقن صناعة الخراب باسم القدس، وبيع لبنان باسم المقاومة.
مهندس صالح المرزم
12 يونيو 2026م
