البحر…بين سكينة المشهد وهيبة المجهول

البحر…بين سكينة المشهد وهيبة المجهول
بقلم العنود العنزي
ما إن يحل الصيف، حتى تبدأ القلوب رحلتها نحو البحر، وكأن الأمواج تنادي البشر بلغةٍ لا يسمعها إلا الشغوفون بزرقة الأفق ورائحة الملح. أما أنا، ورغم أنني لا أعيش في منطقةٍ بحرية، فإن للبحر في داخلي شوقًا مؤجلًا، أستعد له كل عام كما يستعد المسافر للقاء وطنٍ اشتاق إليه طويلًا.
وحين أصل إلى الشاطئ، أجد مشهدًا يستحق التأمل. آلاف البشر يتوافدون منذ ساعات الصباح، عائلات تحمل معها فرحة الأطفال، وشباب يملؤون المكان حيوية، وآخرون يمتطون اليخوت والسفن، بينما يختار بعضهم السباحة في أحضان البحر، وكأن الماء أصبح عنوانًا للسعادة ومتنفسًا للهروب من حرارة الصيف.
تأملت ذلك المشهد طويلًا، وأدركت أن البحر بالنسبة لأهل السواحل ليس مجرد مكانٍ للتنزه، بل جزءٌ من تفاصيل حياتهم اليومية، يفرحون بقربه كما يفرح الإنسان بقرب صديقٍ قديم. أما أنا، فأقف أمامه بعين الزائر، أراقب ولا أندفع، وأتأمل أكثر مما أقترب.
ورغم كل ما يفيض به البحر من جمال، فإنني أحمل يقينًا لا يفارقني؛ أن البحر لا يعرف المجاملة. فهو لا يمنح الأمان لمن يستهين بعظمته، ولا يرحم من يظن أن هدوء سطحه يعكس حقيقة أعماقه.
وهنا تكمن فلسفة البحر؛ فهو يجمع بين النقيضين في مشهدٍ واحد. يمنحك الطمأنينة، ثم يذكرك بأن الاطمئنان المطلق ليس من صفات الدنيا. يبهرك بجماله، ثم يعلمك أن أعظم صور الجمال هي تلك التي تستحق الاحترام قبل الاقتراب منها.
كلما وقفت على الشاطئ، شعرت أن البحر لا يخاطب الأبصار فحسب، بل يحاور الأرواح. يقول للإنسان بصمتٍ بليغ: لا تغتر بما تراه، فالحقيقة دائمًا أعمق من السطح. وهي رسالة تتجاوز البحر نفسه، لتصبح درسًا في الحياة؛ فكم من الوجوه تشبه هدوء الماء، بينما تخفي في أعماقها أمواجًا لا تهدأ، وكم من المظاهر تخدع الناظر، بينما الحقيقة تسكن بعيدًا عن العين.
ولعل أجمل ما يتركه البحر في النفس، أنه يعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي. يقف أمام ذلك الامتداد الأزرق، فيدرك أن قوته محدودة، وأن علمه مهما اتسع يبقى قطرةً أمام عظمة الخالق. عندها يصبح التأمل عبادة، ويصبح الصمت أبلغ من كل الكلمات.
ولهذا، فإنني لا أغادر البحر وأنا أحمل صورًا تزين هاتفي فحسب، بل أغادره وأنا أحمل يقينًا جديدًا بأن بعض الأماكن لا تُقاس بجمالها فقط، بل بما توقظه في داخل الإنسان من حكمة. فالبحر ليس وجهةً صيفية عابرة، بل معلمٌ صامت، يعلّمنا أن الجمال لا ينفصل عن الهيبة، وأن الاحترام هو أول أبواب النجاة.
ويبقى البحر، مهما ازدحم برواده، ومهما تعالت على شواطئه أصوات الفرح، شاهدًا على حقيقةٍ خالدة؛ أن أعظم ما خلق الله هو ما يدعونا إلى التأمل قبل الاقتراب، وإلى التواضع قبل الإعجاب.
كاتبة وإعلامية




