فخامة الرئيس… هل تحررت غرفة النوم؟

فخامة الرئيس… هل تحررت غرفة النوم؟
عندما يتحول المنفى من حالة مؤقتة إلى مؤسسة دائمة
بعد أكثر من عقد من الحرب، ربما لم يعد السؤال الحقيقي هو: لماذا لم تتحرر صنعاء؟
السؤال الأكثر خطورة هو:
هل ما زال جميع من يتحدثون باسم «الشرعية» يريدون فعلًا إنهاء الحالة التي صنعت مواقعهم ومناصبهم وامتيازاتهم؟
سؤال قاسٍ، لكنه مشروع.
لأن الحروب عندما تطول لا تبقى مجرد معارك عسكرية؛ بل تنشأ حولها مصالح، وموازنات، ووظائف، ومخصصات، وسفريات، وإقامات، وشبكات نفوذ، وأشخاص يصبح استمرار الأزمة بالنسبة إليهم أكثر راحة من نهايتها.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.
حين تتحول «استعادة الدولة» من مهمة لها نهاية إلى وظيفة بلا تاريخ انتهاء.
من الشرعية المؤقتة… إلى حكومة المشردين
من المفترض أن وجود القيادة اليمنية خارج عاصمتها كان ظرفًا استثنائيًا فرضته الحرب.
لكن الاستثناء طال.
وطال معه الانتظار.
وكبرت المؤسسات.
وتكاثرت المناصب.
وأصبح لدينا رئيس ونواب ووزراء ووكلاء ومستشارون وقيادات وهيئات وسفارات ووفود ومرافقون…
لكن السؤال الذي لم يكبر معهم هو:
أين الدولة؟
المناصب موجودة.
الألقاب موجودة.
الجوازات الدبلوماسية موجودة.
البيانات الرسمية موجودة.
والصور والاجتماعات موجودة.
لكن العاصمة التي يفترض أن تمارس منها هذه المؤسسات سيادتها ليست تحت سيطرتها.
فبأي معيار نقيس النجاح؟
بعدد الوزراء؟
أم بعدد الكيلومترات التي استعادت الدولة سيادتها عليها؟
هربوا… ثم استقروا!
في الذاكرة الشعبية اليمنية روايات ساخرة عن مسؤولين فروا عند سقوط المدن، حتى وصل التهكم الشعبي إلى عبارة أن بعضهم «هرب بعباءة زوجته».
قد تكون العبارة سخرية شعبية لا وصفًا تاريخيًا حرفيًا، لكن قوتها تأتي من الصورة التي تختصرها:
رجال دولة تركوا الدولة خلفهم.
والمشكلة ليست في الهروب أثناء انهيار أمني؛ فالإنسان قد ينسحب عندما تصبح حياته مهددة.
المشكلة أن يتحول الهروب المؤقت إلى إقامة سياسية دائمة.
وأن يتحول المنفى إلى نمط حياة.
وأن تصبح العودة إلى الوطن خطابًا يلقى في المناسبات أكثر منها مشروعًا له موعد وخطة ونتائج.
ومن هنا جاءت التسمية الشعبية القاسية:
«حكومة المشردين»
ليس لأنها بلا مأوى بالمعنى الحرفي، بل لأنها تحمل اسم دولة بينما مركز ثقلها السياسي ظل لسنوات طويلة خارجها.
المفارقة: المواطن مشرد داخل وطنه… والمسؤول يعيش خارجه
وهنا تصبح الصورة أكثر إيلامًا.
المواطن اليمني تحمل الحرب وانهيار الخدمات والعملة والوظائف والبنية التحتية.
بينما جزء من الطبقة السياسية عاش سنوات طويلة بعيدًا عن الجبهات وعن تفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها المواطن.
وهذا يفرض سؤالًا ماليًا مشروعًا:
كم كلفت منظومة الحكم الموجودة في الخارج طوال هذه السنوات؟
ليس المطلوب إطلاق اتهامات بأن كل مسؤول أصبح مليونيرًا.
المطلوب شيء أقوى من الاتهام:
الشفافية.
انشروا الذمم المالية.
انشروا الرواتب والمخصصات.
انشروا تكاليف الإقامة والسفر والوفود.
وضحوا ممتلكات كبار المسؤولين قبل المناصب وبعدها.
ومن تضخمت ثروته خلال سنوات الحرب، فليوضح مصدرها.
عندها فقط يمكن إسكات الشائعة بالدليل، أو تحويل الشبهة إلى قضية محاسبة إن ثبتت.
أما أن يعيش شعب كامل الفقر والحرب ثم يرى مظاهر ثراء مرتبطة ببعض النخب دون شفافية، فمن الطبيعي أن يسأل:
من أين لكم هذا؟
اقتصاد المنفى
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة.
ماذا يحدث عندما يستمر الوضع الاستثنائي اثني عشر عامًا وأكثر؟
ينشأ حوله اقتصاد كامل.
وظائف مرتبطة بالأزمة.
مخصصات مرتبطة بالأزمة.
مناصب مرتبطة بالأزمة.
نفوذ سياسي مرتبط بالأزمة.
وعلاقات دولية مرتبطة بالأزمة.
وبمرور الوقت يصبح إنهاء الأزمة بالنسبة إلى بعض المستفيدين منها يعني أيضًا إنهاء امتيازاتهم.
وهنا يجب أن يطرح السؤال الذي يخشاه الجميع:
هل أصبح استمرار الحرب أكثر فائدة لبعض السياسيين من انتهائها؟
لا نقول إن الجميع كذلك.
ولا يجوز اتهام أشخاص بعينهم دون دليل.
لكن استمرار الوضع سنوات طويلة دون حسم يجعل السؤال مشروعًا.
لأن السلطة التي تعيش على شعار «استعادة الدولة» يجب أن تخضع في النهاية لمقياس بسيط:
ماذا استعدتم؟
وماذا عن التحالف؟
وهنا لا يمكن إعفاء التحالف من السؤال السياسي.
لقد تدخل التحالف لدعم الشرعية ومواجهة الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.
وقدمت دول التحالف دعمًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وإنسانيًا كبيرًا، واستضافت قيادات يمنية ومؤسسات وشخصيات طوال سنوات.
وهذا يفرض سؤالًا لا يحمل إساءة للتحالف، بل يحمي مصالح دوله:
إلى متى يستمر تمويل حالة سياسية لا تنتج حسمًا ولا دولة مستقرة؟
ليس منطقيًا أن يتحول الداعم إلى ممول مفتوح المدة، بينما تتحول الحكومة التي يفترض أن يساعدها على العودة إلى حكومة معتادة على الخارج.
بعد كل هذه السنوات، يحق للتحالف نفسه أن يسأل:
ماذا أنجزتم بما قدم لكم؟
أين الجيش؟
أين المؤسسات؟
أين توحيد القرار؟
وأين الطريق إلى صنعاء؟
الدعم لا يمكن أن يكون شيكًا مفتوحًا إلى الأبد.
الجيش اليمني… ماذا ينتظر؟
وهذا هو السؤال الذي لا يستطيع الإعلام الإجابة عنه بالتصفيق.
هناك رئيس.
وهناك مجلس قيادة.
وهناك وزارة دفاع.
وهناك رئاسة أركان.
وهناك ضباط وجنود وألوية ومناطق عسكرية.
إذن:
ماذا ينتظر الجيش؟
إذا كانت استعادة صنعاء غير ممكنة عسكريًا، قولوا ذلك للشعب.
إذا كانت هناك موانع سياسية، اكشفوها.
إذا كان الجيش غير جاهز، فكيف مرت كل هذه السنوات دون أن يصبح جاهزًا؟
وإذا كان جاهزًا، فما الذي يمنعه من تنفيذ المهمة التي تأسست هذه الشرعية أصلًا من أجلها؟
لا يمكن أن تبقى الإجابة:
انتظروا.
فالشعوب يمكن أن تنتظر عامًا.
وعامين.
وربما خمسة.
لكن عندما يصبح الانتظار نفسه سياسة، فهناك خلل أكبر من مجرد تأخر عسكري.
غرفة نومك محتلة… والإعلام يصنع منك بطلًا!
وهنا نعود إلى مشهد التمجيد الإعلامي للرئيس رشاد العليمي.
من حق الإعلام أن يشيد بأي قرار جيد.
لكن صناعة صورة «الرئيس المنتصر» بينما الدولة نفسها لم تستعد عاصمتها تخلق مفارقة ساخرة.
فالمواطن لا يحتاج إلى خطابات عن السيادة بقدر حاجته إلى رؤية السيادة على الأرض.
ولا يحتاج إلى صور الاجتماعات بقدر حاجته إلى نتائجها.
وباللغة الشعبية التي يفهمها الجميع:
يا فخامة الرئيس… حرر غرفة نومك أولًا!
ثم حدثنا عن الإنجازات.
استعد عاصمتك.
استعد مؤسساتك.
وحّد جيشك.
أعد حكومتك إلى الداخل.
واجعل المسؤول اليمني يعيش الظروف نفسها التي يعيشها المواطن الذي يحكمه.
بعدها سيصفق لك الناس دون أن تطلب منهم ذلك.
أوقفوا امتيازات المنفى
وربما يكون الإصلاح الحقيقي بسيطًا في فكرته وقاسيًا في تطبيقه:
اربطوا الامتيازات بالعمل داخل البلاد.
من يستطيع ممارسة وظيفته من الداخل فليعد.
ومن يرفض العودة دون سبب أمني حقيقي، فلماذا يستمر في تقاضي مخصصات منصب يفترض أنه لخدمة شعب يعيش في الداخل؟
اخضعوا كبار المسؤولين لإقرارات ذمة مالية معلنة.
راجعوا المخصصات الخارجية.
راجعوا أعداد المستشارين والوفود والمرافقين.
حددوا مؤشرات أداء لكل وزارة ومؤسسة.
واجعلوا السؤال السنوي لكل مسؤول:
ماذا أنجزت للدولة مقابل ما أنفق عليك؟
عندها فقط سينتهي جزء كبير من اقتصاد المنفى.
المشكلة ليست في الحوثي وحده
وهذه ربما الحقيقة التي لا يريد البعض سماعها.
الحوثي خصم الشرعية، نعم.
لكن بعد أكثر من عقد لا يمكن تفسير كل فشل بكلمة واحدة:
الحوثي.
هناك أيضًا فشل إدارة.
وتشتت قرار.
وصراعات مصالح.
وتضخم بيروقراطي.
وحسابات سياسية.
وشبكات استفادت من استمرار الوضع.
ومن يريد فعلًا استعادة الدولة يجب أن يبدأ بتنظيف البيت الذي يريد أن يحكم منه.
اثنا عشر عامًا تكفي
تكفي لتدريب جيش.
وتكفي لبناء مؤسسات.
وتكفي لتقييم القيادات.
وتكفي لمعرفة الناجح من الفاشل.
وتكفي أيضًا لمعرفة من أصبح جزءًا من الحل ومن أصبح جزءًا من المشكلة.
لذلك لم يعد السؤال:
متى ستتحرك الشرعية؟
بل:
هل تريد هذه المنظومة فعلًا أن تنتهي الحرب؟
لأن انتهاء الحرب يعني انتهاء مرحلة كاملة.
يعني العودة.
يعني المحاسبة.
يعني أن الوزير سيضطر إلى إدارة وزارة حقيقية، لا وزارة من فندق.
وأن المسؤول سيواجه مواطنًا يسأله عن الكهرباء والراتب والماء والأمن.
وأن القائد العسكري سيحاسب على الأرض التي يسيطر عليها، لا على النجوم التي يحملها على كتفه.
وهذا أصعب بكثير من إصدار بيان.
أخرجوا من الفنادق… وعودوا إلى الدولة
بعد كل هذه السنوات، يجب أن تنتهي مرحلة الأعذار.
وعلى التحالف أيضًا أن يعيد تقييم المعادلة:
دعم الدولة، نعم.
دعم الشعب، نعم.
دعم الجيش الذي يقاتل لاستعادة مؤسسات دولته، نعم.
أما تمويل حالة منفى سياسي مفتوحة بلا سقف زمني وبلا محاسبة وبلا نتائج قابلة للقياس، فيجب أن يكون محل مراجعة جادة.
لأن الهدف من احتضان حكومة منفية هو مساعدتها على العودة، لا تحويل المنفى إلى عنوان دائم لها.
ولذلك، قبل أن يحتفل الإعلام ببطولات جديدة، لدينا سؤال واحد للرئيس والحكومة والجيش:
أين الدولة التي تتحدثون باسمها؟
وأين العاصمة؟
وأين نتيجة أكثر من عقد من الدعم والحرب والمؤتمرات والموازنات؟
الشعوب لا تحاسب حكامها على عدد تصريحاتهم.
بل على النتائج.
والخريطة في النهاية أكثر صدقًا من ألف قناة تلفزيونية.
فإن كنتم حكومة دولة…
عودوا واحكموها.
وإن كنتم جيش دولة…
استعيدوا مؤسساتها.
وإن كنتم عاجزين…
قولوا الحقيقة للشعب.
أما أن تستمر «حكومة المشردين» في الخارج، ويستمر المواطن في الداخل بدفع الثمن، ثم يطلب منه أن يحتفل بانتصارات لا يراها على الأرض…
فذلك ليس مشروع استعادة دولة.
ذلك مشروع لإدارة الأزمة إلى ما لا نهاية.
والسؤال الذي يجب أن يسمعه الجميع اليوم هو:
من المستفيد من بقاء اليمن بلا حسم؟
فقد يكون الجواب عن هذا السؤال أهم من كل البيانات التي صدرت خلال اثني عشر عامًا.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
27 يوليو 2026
