كُتاب الرأي

الطيب الذي يبيع نفسه

الطيب الذي يبيع نفسه

بدر بن سالم 

في نجد يقولون: “الطيب ما يمنّ، والردي لو عطاك ذكّرك.” وبين المثلين مسافةٌ تختصر كثيرًا من حكايات الناس.
هناك رجل يلبس الطيبة ثوبًا، لا خُلُقًا. لا يرفع صوته، ولا يبخل بابتسامته، ويحسب أن هذه الصفات وحدها تمنحه حقًا في قلوب الآخرين. فإذا قوبل بالرفض، سقط الثوب، وظهر الوجه الذي كان يخفيه؛ وجهٌ لم يكن يصنع المعروف لوجه الله، بل كان ينتظر ثمنًا.
هو لا يرى المرأة إنسانة لها إرادتها واختيارها، بل يراها معادلةً يظنها مضمونة: رسالة، وهدية، وكلمات إعجاب، ثم حب. فإذا قالت: “لا”، انقلب لطفه عتبًا، وتحولت هداياه إلى فواتير، وكأن المعروف دَينٌ لا بد أن يُقضى.
يحمل في صدره دفترًا لا يراه أحد، يدوّن فيه كل ابتسامة، وكل خدمة، وكل تضحية، ثم يفتحه يوم الرفض قائلًا: “بعد كل اللي سويته؟” والحقيقة أنه لم يكن يعطي، بل كان يفاوض.
وهذه الخسارة لا تقع على الطرف الآخر وحده، بل تبدأ منه هو. يعيش أسيرًا لخوفه من الرفض، ومن مخالفة الناس، ومن فقدان رضاهم، حتى يذوب شيئًا فشيئًا، ثم يتساءل: لماذا لا يحترمني أحد؟
فالرجولة ليست أن توافق الجميع، ولا أن تلغي نفسك طلبًا للقبول، وإنما أن تعرف قدر نفسك، وتحترم حدود الآخرين، وتفهم أن كلمة “لا” ليست إهانة، بل حقٌ لا ينازع فيه أحد.
والمرأة لا تبحث عن رجل يطاردها بالهدايا، ولا عن ظلٍ يكرر ما تقول، وإنما تبحث عن رجل يطمئنها حضوره، ويثق بنفسه، ويحترمها لأنها إنسانة، لا لأنها جائزة ينتظر الفوز بها.
ويبقى الفرق واضحًا…
فالطيب إذا أُحسن إليه شكر، وإذا رُفض احترم وانصرف، ولم يحمل في قلبه ضغينة.
أما من يتاجر بلطفه، فإذا أُغلق بابٌ في وجهه، لام الزمان والناس، وما أدرك أن المعروف إذا انتظر المقابل، فقد معناه.
ولذلك قيل: من كانت أخلاقه لله، لم ينتظر ثمنًا من أحد، ومن جعلها تجارة، أفلس عند أول خسارة.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

كاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.