كُتاب الرأي

الذين أضاعوا السماء

الذين أضاعوا السماء

سلطان عيد المرشدي 

هاتفني أحد الزملاء يوماً يدعوني لنزهة بريّة نكسر بها رتابة الأيام ومشاغلها، ونعيد النشاط لأرواحنا وأجسادنا بعد أسبوع من العمل المرهق، فبادرته بالموافقة مستبشراً، وما هي إلا ساعة حتى امتطينا جياد الرحيل ويممنا وجهتنا شطر الفضاء الواسع. وحال وصولنا أنخنا مطايانا في حضن الصحراء الممتدة، وتقاسمنا المهام بهمة ونشاط ، فذاك يوقد النار ويعد القهوة، وآخر يجهز الطعام، والبهجة تظللنا في ذلك الخلاء الفسيح حيث تشم رائحة الهواء العليل النقي، وتنظر مد عينيك فلا ترى إلا امتداداً ساحراً يدعوك للتأمل والسكينة، ترافقنا نسمة هواء باردة مع مغيب الشمس في سماء صافية. لكن، ما إن فرغنا من صنيعنا حتى حدث التحول الصامت ، إذ انسل كل منهم من واقعنا ليلجأ إلى هاتفه المحمول، شاخصين في تلك الشاشات بوجوه واجمة، فجأة وجدت نفسي بينهم كالأطرش في الزفة، أجساد بلا أرواح، وطغى صمت الأجهزة على هدير الروح، فأدركت حينها أننا لم نغادر ضيق المنازل إلا جغرافياً، أما عقولنا فقد ظلت حبيسة الصندوق الرقمي ذاته. وهجرت مجلسهم البارد، ونهضت أمشي في جوف الصحراء الساكنة في ليلة قمرية غامرة، يسكب فيها البدر ضياءه حتى خلتُ أننا في وضح النهار، فرفعت بصري إلى السماء أتفكر في ملكوت خالقها، وأتأمل النجوم التي تزين الفضاء، وذلك القمر الذي اكتمل بدراً بنوره الأخاذ، فأنعش قلبي وأطلق لساني بترديد هذه القطعة …

يا أيها القمر المسافر في الفلك

هل لي بأن أرقى إليك لاسألك

من ذا الذي أهداك أجمل صورة

وحباك نورا في الفضاء وجمّلك؟

لقد كان مشهداً ربانياً مهيباً، كفيلاً بأن يغسل عن النفس وعثاء الأسبوع وزحام الحياة المرهق، وبعد ساعات من السلوى والخلوة الروحية عدت إلى الرفاق، فإذا بالحال هو الحال، وكأن الزمن قد توقف بهم كصخور هامدة عند حدود تلك الشاشات.

لم تُسرق السماء منا، ولم تحجبها غيوم العصر، ولم تنطفئ نجومها الأزلية، بل نحن الذين أضعناها بأيدينا حين استبدلنا الأفق الرحب الذي لا تحده حدود بشاشة ضيقة لا تتجاوز كف اليد، وأهدرنا أعمارنا بالتحديق في سراب افتراضي حتى نسينا أن فوق رؤوسنا كونا عظيماً يفيض بالجمال والدهشة والسكينة. وكان الإنسان إذا ضاقت به الأرض وتكالب عليه الكرب، خرج إلى الفضاء المفتوح وأرسل طرفه نحو السماء، فيشعر تلقائيا أن همومه أصغر من أن تثقل هذا الوجود الفسيح، أما إنسان اليوم، فقد انحنى رأسه طوعاً واختياراً، واعتزل التأمل إلا في وميض هاتف يحمله، حتى أصبحت مساحاته النفسية أقصر من قامته الجسدية، ولم يعد يلتفت إلى الأعلى إلا نادراً، وكأن السماء باتت غريبة عنه، وكأن النجوم فقدت حقها الفطري في أن تُرى وتُعشق.لقد نجحت التقنية في تقريب المسافات الطويلة، لكنها نأت بالإنسان عن أقرب الناس إليه، بل وعن نفسه، فصار المرء يجلس بين أهله وأصدقائه وتحت سقف واحد ولكن قلبه مغترب في فضاء آخر، يشارك العالم الخارجي تفاصيل يومه بينما يعجز عن إدارة حوار دافئ مع جليسه، فامتدت حياتنا بالاتصالات الرقمية وفرغت من التواصل الإنساني، وازدحمت شاشاتنا بوجوه الغرباء بينما اتسعت في دواخلنا مقابر الوحدة. والمفارقة المؤلمة أننا نظن واهمين أننا نملك هذه الأجهزة، بينما الحقيقة الشاخصة هي أنها من تملكنا، فيستيقظ أحدهم على ضوئها البارد وينام عليه، ويقضي يومه أسيراً مسلوب الإرادة أمام ما تبثه من صور عابرة ومقاطع جوفاء، حتى غدا عقله مستأجراً لمن يديرون تلك المنصات، وأصبحت مشاعره ومزاجه يُقادان بخوارزميات صماء لا تعرف عنه سوى أنه مستهلك جيد للوقت. ربح الإنسان سرعة الوصول إلى المعلومة لكنه خسر الوصول إلى ذاته، وبات يعرف أخبار الغرباء لحظة وقوعها خلف المحيطات، لكنه يجهل تماماً ما الذي يتآكل في أعماقه كل يوم، يرى آلاف الصور الملونة لكنه أعمى عن رؤية الحياة الحقيقية، ويسمع آلاف الأصوات والصخب لكنه فقد القدرة على الإصغاء لصوت روحه ونبض فطرته. إن الذين أضاعوا السماء لم يخسروا مجرد منظر طبيعي جميل، بل خسروا قيمة التأمل البكر، ولذة السكون العتيق، وهيبة الخلوة مع النفس التي تصقل الوعي، وخسروا تلك اللحظات الروحانية العميقة التي كان الإنسان يشعر فيها بضآلته أمام عظمة الخالق فيتواضع قلبه ويصفو وجدانه من كدر الدنيا، أما اليوم فقد استسلم الكثيرون لأسر عالم صُمم بعناية فائقة ليشغلهم عن كل حقيقة، حتى عن أنفسهم، وسيأتي يوم يستفيق فيه البعض ليكتشفوا أنهم أمضوا أجمل سنوات العمر وأثمنها وهم يحدقون في زجاجة صامتة لا تتذكر أسماءهم، وأن السماء التي كانت مشرعة لمنحهم السلام والطمأنينة ظلت فوقهم طوال الوقت، مثلما افتقدوا الجلوس الدافئ مع الوالدين وقراءة الكتب التي تزيد العقل مدارك وأفقاً شاسعة.ومع انقضاء هذه الرحلة، وإسدال الستار على تجربة مريرة جعلتني أعيش وسط رفاقي وحيداً مغترباً، اتخذت قراري الحاسم ألّا أكرر مثل هذه النزهات الجوفاء معهم، بل إنني أخشى أن يمتد هذا التخلي ليشمل العالم بأسره بعد أن رأيت السواد الأعظم من البشر يسيرون على ذات النهج، إذ أوهمهم الإدمان الرقمي بالاتصال وأوقعهم في وحل العزلة والغياب. فيا رفاق العصر، أعيدوا لمجالسنا حياتها ونبضها، وارحموا كبار السن والآباء والأمهات الذين تخلت عنهم قلوبنا وعقولنا ونحن إلى جوارهم، نجلس معهم بأجسادنا بينما أرواحنا مغيبة في قاع عالم افتراضي موحش، نتركهم لغربتهم ووحدتهم وهم أحق الناس بإنصاتنا وحديثنا، وردوّا للمشاعر بهجتها الحقيقية التي نُزعت منها، وارفعوا رؤوسكم إلى الأعلى، فثمة كون عظيم، وثمة وجوه تحبكم تنتظر منكم أن تروها.

كاتب رأي 

المستشار سلطان عيد المرشدي

مستشار اسري ، صحفي ، مؤلف ، كاتب رأي ،عضو هيئة الصحفيين السعوديين ، عضو الجمعية السعودية للارشاد النفسي بجامعة الاميرة نورة ، مرخص من الهيئة العامة لتنظيم الإعلام ، حاصل على وثيقة العمل الحر كاتب من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ،كاتب بصحيفة آخر اخبار الارض ، كاتب بمنصة همسة وصل ،عضو مجتمع المواهب السعوديين ، صدر لي كتاب آصِرة وكتاب غرفة ١٧ وكتاب خلف ابواب الفصول .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.