من قتل أبي؟

من قتل أبي؟
المستشار/ سلطان عيد المرشدي
لم يكن أبي جثة تسجل في محضر شرطة، ولا قتيلًا يُقيد ضد مجهول في أروقة المحاكم، بل كان كالنخلة العتيقة التي تموت واقفة دون أن تسقط، تتآكل من الداخل في صمت مُغيب عن الجميع. وعندما حانت منيته وانطفأت عيناه ورحل، لم أحتج للبحث عن القاتل ولا عن سكين ملطخة بالدماء، ولا عن مسرح للجريمة ، بل بحثت عن الأسباب الخفية التي طعنته كل يوم ألف طعنة دون أن يريق قطرة دم واحدة، ودون أن يشعر بدنو أجله أحد. قتله الاهتمام والمشقة في سبيل توفير لقمة العيش لنا كي نكون مثل بقية أبناء مجتمعنا، وقتله الوقت الذي اقتطعه من عمره ليبني لنا سقفًا يقينا الحر والبرد. قتلته الأيام التي كان يستيقظ فيها قبل الفجر، يغادر فراشه الدافئ ويحمل على كاهله خيبة العالم، ليعود إلينا في المساء بابتسامة مستعارة، وجسد طاله التعب، وخبز بلله عرق الجبين. وقتله الصمت وعدم البوح بما يشعر به وما يضنيه من مشاق الحياة وتعسرها في كثير من الأوقات ، فكم مرة رأيته يجلس في عتمة المجلس يرتشف فنجان قهوته ويرنو إلى الحياة بنظرة مليئة بالأسرار، يحمل همومًا لو وزعت على الكثير لكفتهم، لكنه لايُحملنا مثقال ذرة منها، يقتل حزنه في داخله كي لا نبكي، فمات هو كي نحيا نحن . قتلته الأحلام المؤجلة ، إذ لم يعتن بنفسه كثيرًا لأنه كان يرى أن ذلك المال وتلك اللقمة نحن أحق بها منه كي لا يُشعرنا بأننا أقل من الآخرين. كان لديه شغف وكانت له أجنحة، ولكنه قص ريشها بيديه ليصنع لنا منها وسائد ننام عليها برغد. نسي نفسه وهو يبني نفوسنا ، كان بالأمس يافعًا طموحًا ترى في وجهه الحياة والمستقبل وعنفوان الشباب، وفي لحظة، وبعد كل هذه التضحيات، وقف أمام المرآة ليجد رجلًا غريبًا يعتليه الشيب وتظهر على خديه تجاعيد السنين وقد ذبلت في عينيه شعلة الشباب. اقترب أكثر ليضمن أن الذي انعكست صورته هو وليس شخصا آخر، وفي لحظة صمت مهيبة، سالت دموعه على وجنتيه لُتذيب ما تبقى من شبابه وحياته.
وقتلته أنا بجهلي، حين كنت أظن أنه جدار لا يهتز وبطل خارق لا يعرف التعب ولا يحتاج إلى عناق، وعندما ظننت أن خروجه صباحًا لعمله وعودته في آخر النهار أمر معتاد لا مشقة فيه، وأن المال الذي ينفقه علينا يأخذه متى أراد دون جهد. قتلته حين شغلتني الحياة بمشاغلها الصغيرة فنسيت أن أسلب منه حزنه بكلمة دافئة . رحل أبي ولم أرَ قاتله، لكنني أراه اليوم في المرآة، وفي قسوة الحياة، وفي كل حادثة تسرق من الآباء أعمارهم ليهبوها لأبنائهم. رحم الله أبي، القتيل الحي الذي عاش يهب الحياة ومات وهو يبتسم لنا.
قد لا تكون هذه القصة قد حدثت لي شخصيًا لأنني فقدت أبي وأنا طفل لم أتجاوز السادسة من العمر، ولكنها بالتأكيد تحدث للكثير من الأبناء .
فبادروا بأن تصنعوا من أنفسكم أهلًا للمسؤولية، وليأتِ اليوم الذي تقولون فيه : يا أبي كفى، حان الوقت لترتاح، خذ قسطًا من الراحة، فقد أديت الأمانة ، ونحن أهلاً لنقوم بالكثير من المهام بدلاً عنك .


