ناجي العلي.. الشاهد الحافي

ناجي العلي.. الشاهد الحافي
محمد الفريدي
يصعب علي اختزال ناجي العلي في رسام للكاريكاتير فقط، فقد تجاوزت تجربته حدود الرسم الصحفي لتصبح شهادة فنية وإنسانية على مراحل مضطربة من تاريخ فلسطين والعالم العربي.
كان يرسم ما يراه ويشعر به، ويقدم للقارئ صورة مكثفة للواقع السياسي والاجتماعي، من دون أن يمنح أصحاب السلطة والنفوذ حصانة من نقده اللاذع.
ولهذا ارتبط اسمه بالجراءة والمواجهة، وصارت رسومه جزءا من ذاكرة الفلسطينيين والعرب، ثم انتهت حياته برصاصة في لندن، بعدما تحول إلى صوت يصعب تجاهله.
ولد ناجي العلي عام 1937 في قرية الشجرة في الجليل، وعاش طفولته في فلسطين قبل أن تأتي النكبة عام 1948 فتقتلع أسرته من موطنها، وتدفع بها إلى مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان.
كان في الحادية عشرة من عمره عندما وجد نفسه في عالم مختلف تماما عن قريته التي عرفها، وفي مخيم يختزن حكايات آلاف المهجرين وآلامهم وأحلامهم المؤجلة.
ترك ذلك التحول أثرا عميقا في شخصيته، فلم تكن فلسطين بالنسبة إليه اسما على خارطة أو قضية يتابع أخبارها من بعيد، وإنما كانت المكان الذي فقده والذكريات التي بقيت عالقة في داخله.
عاش تفاصيل اللجوء والفقر والحرمان لحظة بلحظة، وشاهد كيف يمكن للإنسان أن يفقد بيته وأرضه، ثم يواصل حياته حاملا مفتاحا للذاكرة وحقا لا يسقط بالتقادم.
ومن رحم تلك التجربة بدأت علاقته بالرسم، فوجد في الخطوط مساحة للتعبير عن الغضب والحزن والاحتجاج، وصارت الجدران في فترات اعتقاله المبكرة صفحات يفرغ عليها أفكاره ورسائله.
لم يتعامل مع الرسم باعتباره هواية ترفيهية، فقد اكتشف فيه وسيلة للتعبير عن الإنسان الذي لا يمتلك منبرا ولا أدوات للتعبير عن قضاياه.
وجاء اللقاء مع الكاتب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني ليشكل محطة مهمة في مسيرته، فقد شاهد كنفاني بعض رسومات ناجي في مخيم عين الحلوة، وأتاح له فرصة نشر أول أعماله الكاريكاتيرية في مجلة (الطليعة) عام 1961.
ومن تلك الخطوة بدأ ناجي العلي طريقا مهنيا قاده إلى الصحافة في الكويت ولبنان، ثم إلى تجربة واسعة جعلت من اسمه علامة بارزة لا يمكن تجاهلها في فن الكاريكاتير العربي.
لم تكن أهمية ناجي العلي في كثرة رسوماته، رغم أن إنتاجه تجاوز 40000 لوحة كاريكاتيرية، وإنما في قدرته على تحويلها إلى لغة سياسية شديدة التركيز، تختصر في خطوط قليلة قضايا كبرى وتضع القارئ أمام واقع سياسي واجتماعي لا يحتاج إلى كثير من الشرح.
كان يستطيع من خلال بضعة خطوط أن يطرح قضية كاملة، وأن يضع القارئ أمام أسئلة مؤلمة، ويكشف تناقضات سياسية واجتماعية دون الحاجة إلى كتابة مقالات طويلة.
واجه الاحتلال الإسرائيلي في رسوماته باعتباره سببا رئيسيا في استمرار المأساة الفلسطينية بقلم وصدر عاري، ولم يسمح بأن يتحول الاحتلال إلى مبرر للصمت عن أخطاء القيادات الفلسطينية والأنظمة العربية.
انتقد الاستبداد والفساد والبيروقراطية، وهاجم امتيازات النخب السياسية، وسخر من أصحاب النفوذ الذين ابتعدوا عن معاناة الناس، وكان يرى أن القضية الفلسطينية تحتاج إلى صوت صادق لا يخشى نقد القريب قبل البعيد.
ومن هنا جاءت قوة تجربته، وجاءت أيضا خطورتها على أصحاب المصالح، فقد فضّل أن يحتفظ بمسافة واحدة من الجميع، وأن يجعل ولاءه لفكرته وضميره، لا لمؤسسة معينة أو حزب أو سلطة، ولم يكن يبحث عن رضا أي مسؤول، وإنما عن الحقيقة التي يرى أن عليه قولها.
وفي عام 1969 ظهر الطفل الذي سيصبح أشهر شخصياته وأكثرها حضورا: (حنظلة)، ولم يكن حنظلة مجرد شخصية تزين اللوحات، فقد تحول إلى ذاكرة مصورة لطفل فلسطيني يحمل في ملامحه قصة جيل كامل.
اختار ناجي له عمر عشر سنوات، وهو العمر الذي كان عليه عند تهجيره من فلسطين، وقرر أن يبقى حنظلة في هذا العمر حتى يعود الفلسطيني إلى وطنه.
كانت فكرته شديدة البساطة والعمق، طفل صغير يمثل زمنا متوقفا، وطنه غائب، وعودته مرهونة بعودته، وحياته معلقة بين الماضي والحلم، ومع مرور السنوات صار حنظلة أكبر من شخصية فنية، وتحول إلى رمز للطفولة الفلسطينية التي لم تجد فرصة للحياة الطبيعية.
حتى الاسم يحمل دلالة واضحة. فالحنظل نبات معروف بمرارته وقدرته على مقاومة الظروف القاسية، وهي صورة تلائم شخصية خرجت من بيئة اللجوء والحصار والحرمان.
أما مظهر الطفل، بثيابه البسيطة وقدميه الحافيتين وملابسه البالية، فقد جعله قريبا من الفقراء والمهمشين، بعيدا عن عالم أصحاب المكاتب الفخمة والامتيازات.
ثم جاء التحول الأبرز في شكل حنظلة، فبعد حرب أكتوبر 1973 وما رافق السنوات التالية من تحولات سياسية، ظهر الطفل في كثير من رسومات ناجي العلي موليا وجهه عن العالم، عاقدا يديه خلف ظهره.
لم تعد ملامحه ظاهرة للقارئ، وصار ظهره نفسه رسالة احتجاج تعبر عن رفض واقع سياسي لم يقتنع ناجي بأنه يقود إلى استعادة الحقوق الفلسطينية.
ولم يكن حنظلة الرمز الوحيد في عالم ناجي العلي، فقد ابتكر مجموعة من الشخصيات التي أصبحت أدوات بصرية لقراءة المجتمع والسياسة.
فظهرت (فاطمة) بوصفها نموذجا للمرأة الفلسطينية الصلبة التي تتمسك بحقوقها ولا تتنازل عنها، كما ظهرت شخصيات تمثل الإنسان البسيط الذي يتحمل نتائج القرارات السياسية، في مقابل شخصيات ساخرة تجسد أصحاب النفوذ والانتهازيين والفاسدين.
كان ناجي يستخدم هذه الرموز بذكاء شديد، ويحول الشخصيات إلى لغة يفهمها القارئ بسرعة، من دون حاجة إلى شرح طويل، فملامح الشخصية وحركتها وموقعها داخل الرسم كانت كفيلة بحمل المعنى وإيصال الرسالة.
ولهذا بقيت أعماله قابلة للقراءة حتى بعد تغير الأحداث التي رسمها، لأن القضايا التي تناولها ظلت حاضرة بأشكال مختلفة.
ودفع ناجي ثمن هذه الجراءة غاليا، وتعرض لضغوط وملاحقات، وواجه تضييقا من مؤسسات صحفية وسياسية، واضطر إلى مغادرة أماكن عدة خلال مسيرته.
وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، انتقل إلى الكويت، ثم توجه إلى لندن للعمل في صحيفة (القبس)، وهناك واصل رسمه بالحدة نفسها، ولم يتخل عن طريقته في محاسبة القوى السياسية وانتقاد مواقفها.
وفي 22 يوليو 1987 تعرض ناجي العلي لإطلاق نار أمام مقر صحيفة (القبس) في لندن، وفارق الحياة في 29 أغسطس من العام نفسه متأثرا بإصابته.
وأصبحت جريمة اغتياله واحدة من أكثر القضايا غموضا في تاريخ الصحافة العربية الحديثة، وتعددت الفرضيات حول الجهة التي تقف خلف الجريمة، وترددت اتهامات وشبهات تجاه أطراف مختلفة، ولا يزال تحديد المسؤول النهائي عن قرار الاغتيال موضع جدل طويل.
ومهما تعددت الروايات، فقد كشفت النهاية المأساوية عن حجم الخطر الذي يمكن أن يواجهه أصحاب الأقلام عندما يرفضون الصمت، وكان ناجي العلي قد صنع خلال سنواته عددا كبيرا من الخصوم، لأنه لم يكن مستعدا لمجاملة أصحاب القوة على حساب قناعاته.
مرت عقود على رحيله، ولم يغب حنظلة، وما زال يظهر في المخيمات الفلسطينية وعلى الجدران والملصقات وفي الأعمال الفنية، ويحضر في فعاليات التضامن مع فلسطين في أماكن كثيرة من العالم، وأصبح الطفل الحافي رمزا يتجاوز شخص ناجي العلي، ويختصر معنى التمسك بالوطن والكرامة والحق.
وربما تكمن أعظم مفارقات قصة ناجي العلي في أن الرصاصة التي استطاعت إسقاط جسده لم تستطع قتل أفكاره؛ فغاب الرسام، وظلت خطوطه حاضرة، وغاب صاحب حنظلة، وظل الطفل واقفا في مكانه، يدير ظهره للعالم ويحمل صمته المليء بالأسئلة.
لقد أراد ناجي العلي أن يجعل من الكاريكاتير شهادة على عصره، فصار هو نفسه شاهدا في ذاكرة أمة كاملة، وترك خلفه رسوما لا تحتاج إلى كثير من الشرح، لأنها تتحدث بلغة الألم والكرامة والاحتجاج.
وربما لهذا السبب بقي حنظلة حيا بعد صاحبه، حافي القدمين، صامتا، عنيدا، يرفض أن يكبر قبل أن يعود إلى وطنه.
فالمبدع قد يغيب فجأة، وقلمه قد يسقط من يده، والرصاص قد ينهي حياته في أي لحظة، لكن الصورة التي تلامس وجدان الناس ويتركها قادرة على عبور الزمن.
وهذا هو الإرث الخالد لناجي العلي: لم يرسم شخصيات تعيش داخل الورق كشخصيات رسامي الكاريكاتير اليوم، وإنما رسم ذاكرة شعب، وترك على صفحات التاريخ خطوطا تشبه الجمر، كلما مر عليها الزمن ازدادت توهجا.
كان يرى أن مهمة رسام الكاريكاتير لا تنتهي عند حدود إرضاء الجمهور أو صناعة الابتسامة، وإنما تبدأ عندما يصبح الكاريكاتير قادرا على طرح الأسئلة التي يخشى الآخرون طرحها.
لم يكن حنظلة طفلا حزينا فحسب، فقد كان شاهدا صامتا على تحولات المنطقة، ووقف في رسوم كثيرة أمام مشاهد القهر والتهجير والفقر، وظل يراقب السياسيين وهم يتحدثون عن قضايا الشعوب، بينما يعيش البسطاء نتائج قراراتهم التي تصدر من خلف المكاتب المحصنة.
ولهذا اكتسبت الشخصية قدرة نادرة على تجاوز المناسبة التي ولدت من أجلها، لتصبح رمزا للإنسان الفلسطيني الذي يرفض أن تتحول معاناته إلى ورقة تفاوض.
أما ناجي العلي نفسه، فكان يدرك أن ثمن الاستقلال الفكري باهظ، ولم يكن الطريق الذي اختاره سهلا، كما لم تكن علاقته بالصحافة مجرد وظيفة يمارسها للتكسب والحصول على مصدر رزق.
كانت الصحافة بالنسبة إليه مساحة للمواجهة، والكاريكاتير وسيلة لكشف التناقضات، والقلم موقفا أخلاقيا قبل أن يكون أداة للرسم.
لهذا لم يكن يهادن في رسوماته، وكان ينتقد الاحتلال، وينتقد القيادات الفلسطينية، ويسخر من فسادها، ويكشف ازدواجية خطابها السياسي، ويضع الإنسان الفلسطيني البسيط في قلب المشهد.
وفي كل ذلك كان يحاول الدفاع عن فكرة واحدة: أن فلسطين ليست شعارا سياسيا يستخدم في الخطب، وإنما قضية إنسان فقد أرضه وحريته وحقه في الحياة.
رحم الله ناجي العلي، الذي لم يتقلب مع الظروف الصعبة، ولم يقبل أن يبيع قلمه أو ينحني أمام أصحاب القوة والنفوذ من أجل أن يعيش، فاختار طريق الحرية والكرامة حتى النهاية.
وندعو الله أن يظل حنظلة حاضرا في الذاكرة الفلسطينية والعربية، حتى نجد من يواصل نهجه ويحمل رسالته بالقوة والصدق نفسيهما، ويحافظ على صوت الحق الذي آمن به ناجي العلي ودفع حياته ثمنا له.
رئيس التحرير





محمد الفريدي وفصل جديد من الوفاء للقلم وأهله..
في كل مرة أقرأ فيها عن شخصية تكتب عنها، أجد نفسي أذهب لأقرأ عنها أكثر وأبحث في تفاصيلها، وكأني بك أصبحت مرجعاً ونقطة انطلاق للمعرفة عن شخصيات تستحق حقاً أن تُعرف.
أسلوب من الوفاء مختلف، ولا يجيده إلا أصحاب الفكر الرفيع جدًا.