الركن الرياضي

*صدمة الرتم.. وقسوة المرآة الإسبانية*

*صدمة الرتم.. وقسوة المرآة الإسبانية*

مـنيـرا الـعتـيبي

لم تكن الدقائق الخمس والعشرون الأولى من مواجهة منتخبنا الوطني أمام نظيره الإسباني مجرد “كبوة عابرة” في مستهل مشوار المونديال، بل كانت مواجهة قاسية مع الذات؛ وضع فيها “الماتادور” الإسباني أمامنا مرآة حقيقية جردتنا من طمأنينتنا المحلية، وكشفت الفجوة البنيوية بين واقعين كرويين. الخسارة برباعية نظيفة ليست أزمة أسماء أو هفوات دفاعية معزولة، بل هي “أعراض” لخلل أعمق يتعلق بمفهوم السرعة والزمن في كرة القدم الحديثة.

*وهم السيطرة وفخ المساحات الآمنة*
بينما انشغلت التحليلات الرياضية التقليدية بتوجيه أصابع الاتهام للأفراد أو قراءة تكتيك المدرب، فإن الحقيقة تكمن في مكان آخر؛ في “سيكولوجية الصدمة الارتدادية” التي يعيشها اللاعب المحلي عندما يصطدم برتم أوروبي لا يمنحه رفاهية التفكير. في منافساتنا المحلية، اعتاد لاعبونا على اللعب في “مساحات آمنة” وتنافس يتيح للذهن وقتاً طويلاً لاتخاذ القرار. لكن أمام منظومة أوروبية تضغط ككتلة واحدة وتتحرك بسرعة البرق، حدث نوع من “الفراغ الذهني” المؤقت، فتبخرت الخطط التكتيكية تحت وطأة “الرتم العالي”. الفجوة هنا ليست في وفرة المواهب، بل في “الساعة البيولوجية” لكيفية ممارسة اللعبة وسرعة تدوير الكرة.

*ثقافة البناء.. درس لامين*
تأخذنا هذه المواجهة إلى فلسفة صناعة البطل؛ فحينما نشاهد شاباً في الثامنة عشرة من عمره يقود منظومة هجومية كبرى وينتزع النجومية في المحفل العالمي الأهم، ندرك أن التميز الكروي لا ينتظر “تراكم سنوات العمر”، بل يُصنع في محاضن الإعداد الصارم والجرأة في التمكين المبكر. إنها ثقافة البناء التي تتجاوز مفهوم “الدلال الرياضي” إلى صناعة لاعبين يملكون الجاهزية البدنية والصلابة الذهنية لمجابهة الكبار في سن مبكرة، وهو الدرس الأهم الذي يجب أن تستوعبه منظومتنا المحلية لتجاوز مرحلة “المشاركة” إلى مرحلة “السيادة والتنافسية”.

*الخروج من النفق*
إن طي صفحة إسبانيا لا يعني نسيانها، بل يعني تحويل هذه الصدمة النفسية إلى وقود لتصحيح المسار فوراً. المواجهة القادمة أمام جزر الرأس الأخضر لم تعد مجرد حسابات تأهل رقمية في دور المجموعات، بل هي اختبار حقيقي للقدرة على “الاستجابة الذهنية” السريعة والخروج من نفق الصدمة. النخبة لا تصنعها الانتصارات السهلة، بل تصقلها القدرة على الارتداد السريع بعد الانكسارات الكبرى؛
فهل يملك الأخضر الجرأة على تغيير رتمه الفكري قبل الصافرة القادمة؟

✍🏻كاتبة سـعودية

 

منيرا العتيبي

كاتبة رأي وصحافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.