عالي القرشي .. وداع الكبار

عالي القرشي.. وداع الكبار
محمد الفريدي
بين غبار الأوراق الصفراء، كنتُ أُقلّب البارحة العدد القديم رقم (14535) الصادر يوم الخميس 10 أبريل 2008م (4 ربيع الآخر 1429هـ) من صحيفة (الرياض)، والموجود بين تلال الصحف الورقية التي أحتفظ بها.
وهناك، استوقفتني قراءة نقدية خطّها الناقد الدكتور عالي سرحان القرشي في زاويته الأسبوعية (الكتابة والحكاية)، ضمن سلسلة (تحولات النقد وحركية النص) التي كتبها في أربعة أجزاء.
لم يكن مقالا سطحيا، بل كان نبوءة مبكرة تقرأ بدقة تفاصيل واقعنا الثقافي المأزوم اليوم في عصر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو واقعٌ لا يرضي أحدا.
غمرتني دهشة شجية وأنا أربط بين استشرافه وبين استشراف رفيق دربه الناقد الدكتور سعيد السريحي ـ رحمه الله ـ؛ فتذكرت كيف كان الاثنان ينهلان من منهل فكري واحد، وينضحان وعيا سبَق زمانه.
حين يرحل بعض مثقفينا، لا يقتصر غيابهم على شخصهم فحسب، وإنما يمتد إلى مساحة واسعة من ذاكرتنا الثقافية التي أسهموا في تشكيلها عبر عقود من العمل والكتابة والمعرفة والعطاء.
ومن هؤلاء الدكتور عالي بن سرحان القرشي, الناقد والأكاديمي الذي ارتبط اسمه بالحركة النقدية الحديثة في المملكة، وترك بصمة واضحة في الدراسات الأدبية، وفي وجدان طلابه وزملائه ومحبيه، وكل من عرفه عن قرب.
ولد الدكتور عالي بن سرحان القرشي في وادي محرم بمدينة الطائف عام 1952م (1371هـ)، وعاش مرحلة مهمة من التحولات الثقافية الكبرى التي شهدتها المملكة والعالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
وفي خضم تلك المرحلة التي شهدت انتقالات متسارعة في وسائل النشر، وتبدلا في الذائقة، وبروز تساؤلات فكرية جديدة، تبلورت اهتماماته الأدبية والنقدية؛ فاتجه نحو دراسة الأدب وتحليل النصوص والبحث في قضايا الثقافة الحديثة، فكان متابعا يقظا لما يجري حوله، قارئا للظواهر بعيدا عن الانفعال أو الأحكام المسبقة، حتى أصبح واحدا من أبرز النقاد والأكاديميين في جيله.
لم يكن الراحل من أولئك الذين يسعون إلى الأضواء أو يلاحقون الحضور الإعلامي والنجومية، وإنما اختار طريقا آخر أكثر هدوءا وعمقا؛ فانحاز إلى الكتاب والبحث الأكاديمي، لعلمه أن الأفكار الجادة أقدر على البقاء من الضجيج.
ولذلك ظل حضوره الثقافي قائما على ما يكتبه ويقدمه من معرفة، لا على ما يثيره من جدل أو ما يحظى به من شهرة، وهو ما جعل تأثيره الحقيقي يظهر بصورة أوضح في وعي قرائه ومحيطه المعرفي.
على امتداد مسيرته العلمية، عمل أستاذا للأدب والنقد، وارتبط اسمه بجامعة الطائف التي احتضنت جانبا مهما من إسهاماته الأكاديمية والثقافية.
ولم يكن مجرد أستاذ يؤدي واجبه المهني داخل قاعة المحاضرات، وإنما كان مربّيا وموجِّها وباحثا يحرص على أن يزرع في طلابه حب المعرفة واحترام المنهج العلمي؛ وقد ترك أثرا جليا في أجيال من الباحثين وطلاب الدراسات العليا الذين تعلموا على يديه واستفادوا من خبرته الطويلة، فغدا نموذجا للمثقف المخلص الذي يعمل من داخل المؤسسات التعليمية لتطويرها وبناء بيئة معرفية أكثر نضجا وثراء.
ولم تقتصر مساهماته على العمل الجامعي، بل امتدت إلى الحياة الثقافية العامة؛ فصار اسما وثيق الارتباط بمدينة الطائف بوصفها الحاضنة لمشروعه العلمي.
وشارك في الندوات والملتقيات الأدبية، وأسهم في الحراك الثقافي السعودي من خلال حضوره الفكري والنقدي، كما كان من المشاركين في تأسيس جماعة (إبداع) التابعة لنادي الطائف الأدبي.
وهي جماعة لعبت دورا مهما في احتضان المواهب، وترسيخ روح العمل الجماعي لدعم التجارب الإبداعية الجديدة في المشهد الأدبي، فضلا عن حضوره المؤثِّر في ملتقيات عكاظ الثقافية والفعاليات الأدبية المختلفة.
سعى القرشي عبر الحركة النقدية الحديثة إلى تقديم قراءات جديدة للنصوص، مستفيدا من المناهج المعاصرة في تحليل الشعر والرواية والقصة، وأسهم في نقل النقد الأدبي من دائرة الأحكام السريعة إلى فضاء التحليل المنهجي.
ومثل كثير من مثقفي جيله، وجد نفسه في قلب النقاشات والسجالات الفكرية التي رافقت قضايا الحداثة والتجديد وعلاقة التراث بالمعاصرة، وكان له حضوره بوصفه ناقدا يؤمن بأهمية تطوير أدوات القراءة مع الالتزام بالموضوعية العلمية.
ومن يطالع كتاباته يلاحظ اهتمامه بطرح الأسئلة وإثارة التساؤلات أكثر من تقديم الإجابات الجاهزة، مما منح أطروحاته حيوية جعلتها قابلة للحوار والنقاش حتى بعد مرور سنوات على صدورها.
ومن أبرز ما تركه من أعمال نقدية كتابه المعروف (نص المرأة: من الحكاية إلى كتابة التأويل)، الذي يعكس اهتمامه بقضايا التأويل وقراءة النصوص من زوايا جديدة تجمع بين التحليل والتأويل.
كما يُعد كتاب (تحولات الرواية في المملكة العربية السعودية) من أبرز إسهاماته في رصد تطور الرواية والقصة المحلية وتحولاتهما الفنية والفكرية وفضاءاتهما المتنوعة، ويكتسب هذا الكتاب أهمية خاصة لدى الباحثين المهتمين بتاريخ الرواية السعودية.
أما كتاب (طاقات الإبداع) فيمثل جانبا آخر يعكس انشغاله الدائم باستكشاف ما تحمله الظواهر الإبداعية من إمكانات فكرية وجمالية، وإلى جانب هذه الكتب نشر عشرات الدراسات والأبحاث والمقالات النقدية في المجلات العلمية والصحف العربية.
ولم يكن تأثيره مقتصرا على المختصين، وإنما امتد إلى المثقفين والكتّاب الذين وجدوا في أبحاثه مادة تساعدهم على فهم الساحة الثقافية، وأسهم بذلك في بناء جسور بين الجامعة والحياة العامة، وهي مهمة ليست سهلة؛ لأن الخطاب الأكاديمي كثيرا ما يبقى حبيس القاعات الدراسية.
أما عن فلسفته الأكاديمية في جامعة الطائف، فقد كان يؤمن بـ (أنسنة المنهج المعرفي)؛ فلم يكن يرى في الأطروحات العلمية والرسائل الجامعية مجرد متطلبات لنيل درجات عليا، بل كان يحول قاعات النقاش والندوات والورش المغلقة إلى صالونات حوارية مفتوحة، ويشجع طلابه على تفكيك نصوص الروائيين والشعراء الشباب المعاصرين، وإعادة قراءتها قراءة نقدية تستكشف بنياتها الجمالية والدلالية، متجاوزا الانكفاء التقليدي على النصوص القديمة والميتة. وكان يقول دائما لطلابه:
(النقد الحقيقي هو الذي يتنفس هواء العصر، ويمشي في الأسواق، ويعايش أزمات الإنسان المعاصر).
هذا التوجه الأكاديمي الجريء هو ما جعل جامعة الطائف منارة نقدية يقصدها الدارسون من مختلف مناطق المملكة.
وعند النظر إلى موقفه من التحولات المعاصرة في بداية الألفية الثالثة، وخاصة الطفرة الرقمية والإنترنت، لم يقف موقف الرافض أو المتخوف، وإنما كان من أوائل النقاد الذين نبهوا إلى ولادة (النص الرقمي) وتحول أدوات التلقي.
وقد تجلى هذا الاهتمام في ورقته (إنتاج النص الإبداعي وتلقيه عبر الفيس بوك)، التي تناول فيها تغير العلاقة بين الكاتب والقارئ في البيئة الرقمية، كما كتب عن الكتابة الإلكترونية في مقال بعنوان (الترويض الإلكتروني)، وتناول ما تتيحه الوسائط الجديدة من فرص وتحديات ثقافية ونقدية متعلقة بالكتابة والتلقي.
وكان يشدد على ضرورة الحفاظ على (الجدية المعرفية)، ويحذر من أن سيولة النشر الرقمي سوف تؤدي إلى تسطيح الذائقة إذا لم تكن هناك مواكبة نقدية واعية وغربلة مستمرة للمنتج الأدبي، مما يؤكد بعد نظره واستشرافه لمستقبل الساحة الثقافية.
هذا المزيج الفريد بين رصانة الأكاديمي وشغف المثقف جعل منه ركيزة أساسية في صياغة هويتنا الإبداعية؛ فلم يكن ممن يكتفون بالرصد, بل كان صانعا للحراك الثقافي، يوجه الأندية الأدبية نحو تبني المبادرات الشابة، ويدعم المجلات الثقافية والصحف بالدراسات الرصينة.
كما كان يمنح الملتقيات مثل سوق عكاظ طابعا علميا يخرجه من دائرة الاحتفاليات إلى فضاءات الإنتاج الفكري المستدام، وهذا الالتزام هو ما منحه تلك المكانة الرفيعة والتقدير العالي في قلوب جميع التيارات الفكرية على تنوع مشاربها.
وعلى الرغم من أهمية منجزه العلمي، فإن الشهادات التي نُشرت عقب وفاته لم تتوقف عند كتبه فحسب، بل أجمعت على صفاته الإنسانية؛ مثل التواضع، والهدوء، والاتزان، والبعد عن الصراعات الشخصية.
وفي 14 نوفمبر 2023م وافته المنية في العاصمة المصرية القاهرة خلال رحلة علاجية، ونُقل جثمانه بعد ذلك إلى مسقط رأسه في الطائف، حيث صُلِّي عليه في جامع العباس ودُفن فيها، لتطوى برحيله صفحة حافلة بالعطاء العلمي والنقدي، بينما ظل أثره الفكري حاضرا في ذاكرة الثقافة السعودية.
رحل الدكتور عالي القرشي، غير أن أثره لم يرحل؛ فما كتبه سيظل مادة للباحثين، وما غرسه في طلابه سيظل ممتدا عبر الأجيال.
وهذا هو الخلود الحقيقي الذي يناله أصحاب الفكر والمعرفة: خلود الأثر الذي يتجاوز حدود العمر، ويستمر ما دامت هناك عقول تقرأ وقلوب تُقدِّر قيمة العلم والإبداع.
وستبقى أعماله النقدية شواهد حية على مرحلة ذهبية من تاريخ النقد السعودي، ونبراساً يضيء طريق الباحثين السائرين في دروب التنوير والمعرفة الأدبية الرصينة.
كما أن رحلته الطويلة تكشف جانبا مهما من سيرة المثقف السعودي المعاصر؛ ذلك المثقف الذي عاش مراحل مختلفة من التطور الثقافي والتعليمي في المملكة، وأسهم في نقل الخبرة والمعرفة، مبرهنا على أن الإنجاز الحقيقي لا يقاس بعدد الكتب المنشورة فحسب، وإنما يقاس أيضا بقدرته على الإسهام في صناعة فضاء معرفي يمتاز بالعمق والاستمرارية.
وعندما يُستعاد اسم عالي سرحان القرشي اليوم، فإن استعادته لا تأتي بوصفه شخصية تنتمي إلى الماضي، وإنما بوصفه جزءا من ذاكرة ثقافية ما زالت حية وحاضرة في الساحة الأدبية السعودية؛ فالتجارب المتكاملة التي جمعت بين البحث العلمي والعمل الأكاديمي والحضور الإنساني لا تنتهي برحيل أصحابها، لأنها تظل تنبض في الكتب والدراسات والحوارات التي أسهمت في تشكيلها.
لقد آمن الراحل بأن الثقافة مشروع حياة، وأن المعرفة مسؤولية قبل أن تكون مكانة أو لقبا، وأن تاريخ الإنسان يُقاس بالبصمات المعرفية والوعي الذي يتركه المصلحون والمفكرون في عقول مجتمعاتهم.
وسيبقى القرشي رحمه الله واحدا من أبرز الأصوات النقدية التي شاركت في رسم ملامح مرحلة مهمة من تاريخ الثقافة السعودية، وواحدا من الذين آمنوا بأن بناء الوعي مهمة طويلة تحتاج إلى الصبر والجدية والإخلاص للمنتج الأدبي المعاصر.
رئيس التحرير




