آل الشيخ مُفَكِّك المسلّمات

آل الشيخ مُفَكِّك المسلّمات
محمد الفريدي
لم يكن محمد عبداللطيف آل الشيخ مجرد كاتب مرّ على صحافتنا مرور الكرام، وإنما كان صاحب حضور فكري مؤثر في ساحتنا الثقافية والإعلامية والصحفية، يثير أسئلة فكرية عميقة أكثر مما يقدّم لنا إجابات جاهزة.
كتب في قلب التحولات الاجتماعية والثقافية التي مررنا بها، وجعل من مقاله الأسبوعي مساحة مفتوحة للنقاش، لا مجرد تعليقٍ على الأحداث، وإنما نافذة لطرح الرؤى وتفكيك الأفكار وتحفيز القارئ على التفكير في القضايا التي تمس مجتمعنا وتؤثر عليه.
امتلك قدرة خاصة على تحويل الفكرة البسيطة إلى مواجهة فكرية، ونقل القارئ من السطحية إلى عمق الواقع وجوهره، وكانت تتقاطع مقالاته مع قضايا الدين والمجتمع والحرية والوعي، حتى أصبح اسمه مرتبطا بمرحلة من الكتابة الصحفية لم تكتفِ بوصف الواقع، وإنما سعت إلى إعادة قراءته من جديد.
فهو يمثل واحدا من الأسماء البارزة في الساحة الصحفية والفكرية المعاصرة، ليس فقط بسبب حضوره الممتد عبر سنوات طويلة في كتابة المقال الأسبوعي، وإنما أيضا لما مثّله من حالة فكرية اتسمت بالصلابة والوضوح والالتصاق المباشر بقضايا المجتمع.
ولد في العاصمة الرياض، ونشأ في بيئة شهدت تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة، وهو ما انعكس على تكوينه الذهني ورؤيته للعالم.
ولم يبدأ مسيرته في الصحافة في البداية، وإنما جاء إليها من عالم الأعمال والتجارة، قبل أن يهتدي إلى طريق الكتابة، وكأن التحول من السوق إلى المقال كان انتقالا بالنسبة له من التعامل مع الأشياء إلى التعامل مع الأفكار، ومن الاشتغال على الواقع المادي إلى الانشغال بصناعة الأفكار وبناء التصورات والرؤى.
جاء بخبرة ميدانية في إدارة المال والأعمال، ما منحه زاوية نظر مختلفة عند تناول قضايانا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وجعل كتابته أقرب إلى تحليل واقعنا منها إلى التنظير المجرد، وأكسبه قدرة على ربط أفكاره بنسيج حياتنا مباشرة.
ومع الوقت بدأ حضوره يتسع في الصحافة من خلال مقالات دورية يتناول فيها موضوعات متعددة، أبرزها قضايا الفكر والمجتمع والتغيير الثقافي والتطرف، ولم يكن يكتب من موقع الحياد البارد، وإنما من موقع المشاركة في السجال العام، الأمر الذي جعل مقالاته محل اهتمام واسع ومحل جدل في كثير من الأحيان.
وكان يكتب زاويته الأسبوعية (شيء من) في صحيفة (الجزيرة)، ضمن هذا الحضور الصحفي الذي كان يتنامى ويتسع بشكل بارز، ليصبح صوتا ثابتا في ساحتنا الثقافية والصحفية آنذاك.
امتاز أسلوبه بالوضوح، مع ميل إلى الطرح المصادم حين يتعلق الأمر بالقضايا الوطنية والفكرية الحساسة، وكان يرى أن الكتابة الصحفية ليست مساحة للمجاملة، وإنما فضاء لطرح القضايا التي يخشى الآخرون من طرحها.
وعدم التردد في تناول الموضوعات المرتبطة بالدين والمجتمع، ولم يكتفِ بالخطاب التقليدي، فقد كان ذا نزعة تنويرية تدعو إلى إعادة النظر في مسلّماتنا الفكرية، وفتح باب النقد أمام أفكارنا المهيمنة علينا آنذاك.
وكانت لغته تميل إلى الصراحة والصرامة والوضوح، وتبتعد عن التعقيد البلاغي، بهدف الوصول إلى أكبر شريحة من القراء، مع الحفاظ على عمق الفكرة وقوة المعنى.
كان صاحب مشروع صحفي متجذر، سعى من خلاله إلى إعادة تشكيل فكرنا في عدد كبير من القضايا، وارتبط اسمه بمرحلة شهدت الصحافة السعودية خلالها تحولات مهمة، سواء على مستوى الحرية النسبية في الطرح أو تنوع الأصوات الفكرية.
شارك في إدارة وتأسيس عدد من المجلات الثقافية، وأسهم في دعم المحتوى الأدبي والفكري، بما في ذلك الاهتمام بموروثنا الشعبي باعتباره جزءا مهما من هويتنا الثقافية، وليس لونا تراثيا ثانويا، وإنما امتداد أصيل لذاكرتنا الثقافية.
ومن الطبيعي أن يرافق كاتبٌ بهذا الحجم والحضور قدرٌ من الجدل والهجوم، فقد أثارت بعض مقالاته سجالات واسعة، خصوصا تلك التي تناولت قضايا دينية وفكرية واجتماعية حساسة، غير أن هذا الجدل لم يكن سلبيا، بل كان دليلا على تأثيره وقدرته على تحريك المياه الراكدة في ساحتنا الثقافية.
فقد كتب في 27 سبتمبر 2014 مقالا بعنوان (إنهم يدافعون عن الإرهاب)، تناول فيه قضية التطرف والإرهاب، وحذر من خطر (الإخوان) بوصفهم امتدادا لفكر متطرف يهدد استقرار المجتمعات ويدافعون عن الجماعات المتطرفة.
واختتم مقاله رحمه الله بقوله: (كل ما أريد أن أقوله في هذا المقال: إن دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، إذا لم تحاصر جماعة الإخوان وثقافتها ونشاطاتها والحركات المتفرعة عنها، فلن تنجح في محاصرة الإرهاب. والأيام بيننا.. إلى اللقاء)
كان يرى أن مهمته ليست في إرضائنا جميعا، وإنما دفعنا إلى التفكير حتى لو اختلفنا معه، ومن هنا جاء حضوره ككاتب لا يهادن ولا يقف على هامش النقاش العام أو على جانب الطريق.
مع رحيله، بقي اسمه حاضرا في ساحتنا الثقافية، ليس لكونه كاتبا غاب عنا، بل لكونه تجربة فكرية فريدة من نوعها ما تزال آثارها ممتدة في مقالاتنا، وفي الأسئلة التي كان يثيرها، وفي الجدل الذي تركه فينا حتى اليوم.
مثّل رحمه الله نموذجا للكاتب الذي يضع فكرته في مواجهة واقعنا دون خوف، ودون أقنعة لغوية أو تزيين زائد، وهو ما جعل حضوره مختلفا داخل ساحتنا الصحفية، ورحيله كذلك مختلفا، فقد كان يغرس نصل كلماته الحادّة في أجساد التأسلم والتشدد والتطرف.
وامتازت كتاباته بوضوحها وقوتها، واستفاد من خبرته في عالم المال والاقتصاد لفهم واقعنا، وقد فقدت ساحتنا الثقافية برحيله قامة فكرية سامقة وشجاعة، وقلما جريئا قلّ أن يتكرر، ولا يزال من الصعب أن يملأ أحد فراغه حتى اليوم.
فقيمة محمد عبداللطيف آل الشيخ لا تقف عند حدود المقالة الأسبوعية، ولا تُختزل في زمن كتابته أو سعة انتشاره، وإنما تمتد إلى أثر أعمق يتجلّى في نظرته إلى الأشياء، وكان يكتب من داخل المعترك الثقافي لا من فوقه، لذلك ظلّ قريبًا من قلوب الناس.
ومن هنا تتضح خصوصيته؛ فهو لم يكن يكتفي بتسجيل ما يحدث، وإنما كان يفكك الحدث، ويحدد ما الذي يجعل مجتمعنا يميل إلى تبنّي موقف بعينه دون غيره.
وساهم في ترسيخ مفهوم الكتابة الصحفية باعتبارها رسالة فكرية تسعى إلى بناء الوعي وإثارة التساؤلات لا مجرد قالب لغوي، وكان حين يطرح سؤالا حول الدين أو المجتمع أو الفكر لا يأتي السؤال كخطاب يُغلق باب النقاش، وإنما كعلامة استفهام كبيرة تفتح أمامنا أبوابا متعددة الاتجاهات.
وتفسّر هذه الطريقة سبب بقاء اسمه حاضرا حتى اليوم عند من أحبوا مقالاته باعتبارها مساحة للتفكير والتأمل، لا مجرد مادةٍ للقراءة السريعة، وقد أدرك أن التعلم لا يأتي من المسلّمات المتداولة، وإنما من الحوار المتقاطع مع الرأي والرأي الآخر، ومن تراكم التساؤلات بدلا من إهدار الوقت في صياغة الإجابات.
كانت تجربته متصلة بالساحة الإعلامية من جهة، وبالتغيرات الاجتماعية من جهة أخرى، فالتحولات التي عشناها معه لم تكن مجرد مستجدات سريعة الانقضاء، وإنما كانت تغيّرات شاملة تغيّر طريقة تفكيرنا، وتعيد تشكيل علاقتنا بالخطاب الديني والثقافي والسياسي، وتفتح أمامنا أسئلة جديدة حول موقعنا داخل هذا الواقع المتغيّر.
وفي مثل هذه الأجواء، يصبح الكاتب مطالبا بأن يقرأ التحول قراءة واعية، لا يهرب إلى التحليل العام، ولا يستسلم لسطوة المألوف، ومن يراجع كتاباته يدرك أنه كان يحاول أن يمسك بخيط رفيع يربط به بين واقعنا وفهم هذا الواقع المتغيّر، بحيث لا ينحصر كلامه في إطار التنظير.
ويمتاز أيضا بأنه كان قريبا من فكرة “الأثر”، أي أثر الكتابة على سلوكنا وفكرنا ومجتمعنا، ولذلك جاءت كتاباته مشحونة بالحاجة إلى التغيير، لا باعتبارها شعارات تُقال، وإنما باعتبارها ضرورة تبدأ من داخلنا.
كان يصرّح بأن المشكلة ليست في نقص المعرفة وحدها، وإنما في طريقة تعاملنا معها: هل نحوّلها إلى قناعة صلبة أم تبقى مجرد معلومة؟ وهل نستخدمها لفهم واقعنا أم لتبرير مواقفنا والسلام؟ مثل هذه الأسئلة هي ما جعلت كتاباته مؤثرة، واستمر تأثيرها إلى اليوم، لأنها لا تعتمد على لحظة مؤقتة، وإنما على نسق التفكير.
واجه موضوعات حسّاسة دون أن يجعل من الحساسية عذرا للتخفيف أو التجميل، ومع أن الجدل رافق بعض مقالاته، فإن حضوره يدل على أن زاويته كانت قادرة على إزعاج السائد والمألوف، وإحياء المسكوت عنه، ودفعنا إلى مراجعة مواقفنا بدل الرضا بتلقي الرأي المفروض.
وهذا النوع من الكتابة يكون مطلوبا عادة في المراحل التي تتداخل فيها المسارات: الديني مع الثقافي، والاجتماعي مع الفكري، والإعلامي مع السياسي، وعندما تتداخل هذه المسارات يصبح الكاتب الذي يطرح الإشكالات الفكرية أكثر تأثيرا من الكاتب الذي يقدّم الإجابات القطعية.
حافظت كتاباته حتى وفاته على مبدأ الوضوح، مع قدر كبير من مخالفة المألوف في تشخيص واقعنا، ووضوح عبارته لا يعني بساطة فكرته، وإنما يعني أن الفكرة لا تُدفن تحت ركام زخارف اللغة، لذلك كان قادرا على مخاطبة شريحة واسعة منا دون أن يفقد عمق الفكرة.
وظلّ حضوره ممتدا في ذاكرتنا الثقافية كصوت لا يُختزل وقلم لا يُنسى، واستمر أثره في تشكيل تفكيرنا وإثارة الأسئلة، ليبقى حاضرا في ذاكرتنا الفكرية رغم الغياب.
وبهذه الخلطة النادرة بين الوضوح والعمق، استطاع أن يُبقينا معه داخل النص لا خارجه، وأن يحملنا على مشاركته بدل الاقتصار على متابعته، وكان يدرك أن المقال ليس خطابا يُلقى، وإنما مساحة تُستقبل فيها الأفكار وتتغير على مهل.
وبعد رحيله لا تزال الأهمية الكبرى تتمثل في وجود نموذج (الكاتب الذي يُحاسب نفسه قبل أن يُحاسب غيره)، والذي يضع فكرته تحت المَحَكّ في مواجهة مجتمعه، فهذا هو الذي يُحدث تأثيرا طويل الأجل، ولا يختفي أثره بمجرد غياب اسمه أو رحيله، وإنما يبقى منهجا وطريقة تُقرأ إلى الأبد.
وحين نستحضر سيرته الآن، فإن استحضارنا لها ليس فقط من باب التأبين، وإنما لاستعادة سؤال قديم جديد كان يطرحه: كيف يمكن لنا أن نؤدي دورنا الصحفي دون أن ننزلق إلى منزلق الاستعراض اللغوي أو الحياد المخادع المُضلِّل؟ وكيف يمكننا أن نكتب لنحفّز العقول على التفكير ومقاومة التضليل، مع مراعاة ردود فعل المعارضين؟
إن رحيله، كما هو مُفجعٌ لنا، قد ترك على عاتقنا مسؤولية جسيمة من بعده: مسؤولية استكمال طريقه الذي بدأه، لا بالتقليد الأعمى، وإنما بالتمسك بالقيم التي جسدها: قوة الفكر، وصدق الالتحام بالوطن، وعمق القراءة، وتقديم الطرح المقنع على التلقين.
فرحمةُ الله عليه رحمة واسعة، وجزاه عنا وعن فكره وكتاباته ومقالاته خيرَ الجزاء، وأسكنه فسيح جناته.




تحية وتقدير استاذ محمد على هذا المقال الممتلي إنصافًا ووفاء ، استدعاء سيرة الصحفي والأديب الكبير محمد آل الشيخ في هذا التوقيت هو تذكير بالقيمة الحقيقية للكلمة الملتزمة. اعتقد ان المرحوم محمد ال الشيخ لقد كان آل الشيخ بمثابة بوصلة ثقافية وصحفية فريدة ، وإضاءتك على مسيرته هي امتداد لرسالته.
شكراً لهذا النبل والوفاء والإنصاف.
رائع ي ابو سلطان تذكرك مثل المرحوم محمد عبداللطيف ال الشيخ الذي لم يكن مجرد كاتب ، بل كان صاحب قلماً سيالاً دافع عن المملكة وموقعها في العالم الاسلامي بل قيادتها للعالم الاسلامي وصدح بأرائه الجريئة في الصحف والمجلات السعودية ومنها اعتقد الشرق الاوسط حيث كنت من قُراء مقالاته رحمه الله ، كان كما أشرت في مقالك الجميل عنه يحذر من تنظيم الاخوان وتجذره وخشيته منه لعلاقته بالارهاب ، رحم الله محمد ال الشيخ وجزاك الله خير الجزاء.