أصحاب الأثر

عابد خزندار … خازن دار الوجع

عابد خزندار … خازن دار الوجع

محمد الفريدي

هناك رجالٌ لا يمرون في تاريخنا كعابري سبيل، إنما يتركون في طين أرضنا وعقولنا آثارا عميقة لا تُمحى؛ لأنهم ببساطة صاغوا حياتهم من مزيج نادر من الصراحة الأدبية، والعمق المعرفي، والانحياز الصادق للمواطن البسيط.

ومن هؤلاء الأعلام الشامخين في ساحتنا الثقافية والصحفية السعودية والعربية، يبرز اسم الأديب والمفكر والناقد الراحل عابد خزندار.

لقد كان نسيجا وحده، ومثقفا استثنائيا نجح في أن يجمع في عباءته بين شموخ نخيلنا ورقة الحداثة الفرنسية، وبين عراقة تراثنا العربي القديم وتمرد فلسفات ما بعد الحداثة؛ فهو كاتب سعودي لم يكتفِ بتفكيك النصوص الأدبية، فقد فكّك واقعنا الاجتماعي، ودفع ثمن مواقفه هذه من حريته وراحته، ليظل صوتا صادقا ينبض بوعينا وآلامنا.

تبدأ حكاية عابد خزندار من جذور تاريخية ضاربة في العراقة؛ فقد انتقلت عائلته إلى أرض الحجاز مع حملة إبراهيم باشا، وتولى جده مسؤولية الشؤون المالية (الخزندار أو خازن الدار) في العهد العثماني، ليلتصق اللقب من هنا بالعائلة، ويشير إلى الأمانة والمسؤولية في صون المال العام؛ وهي النزاهة ذاتها التي ورثها الحفيد ليصبح لاحقا خازنا لدار الكلمة الحرة.

وفي ذلك الفضاء التاريخي، وُلد عابد بقلب مكة المكرمة، وتحديدا في حي القشاشية العتيق، ليتنفس منذ طفولته الأولى عبق التاريخ والروحانية.

وبدأت رحلته التعليمية من مدرسة الرحمانية الابتدائية، لينال بعدها الثانوية العامة من مدرسة تحضير البعثات العريقة عام 1953م، دون أن تقف طموحاته عند حدود الجغرافيا؛ فحمل حقائبه وتوجه إلى مصر، قلب العروبة النابض، ليلتحق بجامعة القاهرة ويحصل على بكالوريوس الزراعة عام 1957م.

ومن ضفاف النيل إلى ضفاف المحيط، طار إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليغوص في أدق تفاصيل العلوم وينال درجة الماجستير في الكيمياء الحيوية من جامعة ميريلاند عام 1960م, في تكوين علمي صارم لم يكن عائقا أمام شغفه الأدبي، إنما منحه عينا مجهرية وفكرا تحليليا دقيقا طَبّقه لاحقا في تشريح النصوص والمجتمعات.

وحين عاد إلى أرض الوطن، عُين مديرا عاما في وزارة الزراعة عام 1962م، لكنه لم يكن موظفا بيروقراطيا يغلق عليه باب مكتبه المكيف؛ فقَبِل التحدي الأكبر وسافر إلى أقصى شمال المملكة، وتحديدا إلى وادي السرحان الممتد بين القريات والجوف على الحدود الأردنية، وهناك، في قلب الفراغ المهيب، سكن في خيمة في الصحراء لمدة عام كامل.

ولم تكن تلك التجربة مجرد مهمة وظيفية، إنما كانت انصهارا في تراب الوطن، حيث توطدت علاقته بالبدو والأهالي، ويُروى أن شيخ قبيلة الرولة الشهير، النوري بن شعلان، تعجب من وجوده في قسوة الصحراء وسأله مستغربا، فأجابه بوعي المثقف النبيل: (إنني جئت لأتعلم منكم الكرم والشجاعة والنشاط)، فكانت تلك الخيمة محطة فارقة صقلت روحه، وجعلته أكثر قربا من فكرة البدوي النقي قبل أن تشوهه زحام المدن.

غير أن مسيرته مرت ببعض المنعطفات الصعبة؛ حيث خاض تجربة التوقيف في الستينيات الميلادية، أعقبها منعه من السفر لتسع سنوات، ولكن المفكر الوطني السعودي الحقيقي الصادق لا يتوقف عن العطاء؛ فحوّل تلك السنوات المليئة بالتحديات إلى محراب يعكف فيه على القراءة، والترجمة، والتأمل العميق.

وبمجرد أن انتهت مدة المنع، طار إلى فرنسا، أرض التنوير والثقافة الفرانكوفونية، ليقيم فيها سنوات طوالا، وهناك، لم يكن سائحا ولا معارضا لسياسات بلاده، إنما انغمس في دراسة الآداب الفرنسية والإنجليزية، لتعود كيمياء روحه وتتشكل من جديد؛ فمزج شعرنا الجاهلي المعلق على أستار الكعبة، بكتابات رولان بارت، ونيتشه، وسارتر.

ولكنه عندما عاد أيضا ليمارس الكتابة النقدية، صدم الساحة الأدبية بأسلوبه غير التقليدي؛ فقد كان مؤمنا بأن (الكتابة اكتشاف للعالم، والنقد اكتشاف للنص)، وتميزت صياغته التعبيرية في كتاباته بالتفكيك والخلخلة، والاعتماد على الإشارات المستمرة واستدعاء مخيلة القارئ لتكمل ما بدأه، فغدا قلمه جسرا فريدا عبرت من فوقه حداثة الغرب لتصافح أصالة الشرق دون أن تفقد هويتنا ملامحها.

وكان من أوائل الأدباء العرب الذين تطلعوا إلى أساليب الكتابة الجديدة ودعوا مبكرا إلى تجاوز المناهج الجامدة في تحليل النصوص، معتمدا في رؤيته تلك على مرجعية عربية قديمة وعميقة؛ حيث وجد في كتاب (الأمالي) لأبي علي القالي ومؤلفات الجاحظ درعا قويا يحمي خصوصيتنا الفكرية من الذوبان في الثقافات الوافدة.

وقد كان في بداياته يتهيب الترجمة ويتشكك في قدرتها على نقل روح النص، لكن مع نضجه المعرفي، تحول هذا التوجس إلى إيمان مطلق؛ فأصبح يترجم المصطلحات، ويعلق على الهوامش، وينتقد المترجمين الآخرين، ولم يرحل عن دنيانا إلا وقد أغنى مكتبتنا بترجمات ومؤلفات رائدة.

ورغم عبقريته النقدية، واجه اتهامات عاتية بأن كتاباته نخبوية تخاطب فئة قليلة من المثقفين القابعين في أبراجهم العاجية، ولم يقف أديبنا صامتا أمام هذه الاتهامات، فغيّر دفة إبداعه، واقتحم عالم الصحافة اليومية ليكون قريبا من نبض الشارع ومعاناة المواطن البسيط.

ومن هنا وُلد عموده اليومي الشهير (نثار) الذي تنقل به بين الصحف، مسخِّرا حبره وقلمه لآلام الفقراء وهموم الجميع، ومتميزا بكتابات صحفية ذات صراحة منقطعة النظير؛ فكان من أوائل من انتقدَ نظام الكفيل، وتحدثَ عن الفقر والعنصرية، وتناولَ وضع المرأة، وهاجمَ المرتشين والمزورين ووصفهم بـ(سارقي الرغيف)، وطالبَ الأجهزة الرقابية والجهات القضائية بردع هؤلاء الفاسدين.

ولم تمر هذه الجراءة بلا ثمن؛ فقد تعرض للإيقاف عن الكتابة عدة مرات ولعدة سنوات، خاصة بعد مقالاته اللاذعة ضد وزارة الصحة وإهمالها، لكنه كان يعود في كل مرة أكثر إصرارا، مستخدما سلاح السخرية والتهكم الذكي في عناوين مقالاته التي أصبحت أيقونات صحفية، ومنها:

(متشددون بلا حدود): تهكما على ممارسات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(ومن الطب ما قتل): عن الإهمال الطبي الذي يودي بحياة الأبرياء.

(معانا ريال!!): عن الغلاء وتدهور القوة الشرائية وتأثيرها على قوت المواطن.

(يا ما جاري في الدنيا يا ما جاري): عن كوارث البنية التحتية وغرق المدن في الأمطار.

ترك عابد خزندار لمكتبتنا إرثا إبداعيا غزيرا تنوع بين النقد والترجمة والسيرة، ومن أبرز مؤلفاته خلال مسيرته الحافلة: (قصاصات عبد الله عبد الجبار) الذي صدر بعد وفاته عام 2017م.

وفي روايته الأخيرة والأجمل (الربع الخالي) الصادرة عام 2014م، اختزل الكثير من تفاصيل حياته؛ فصاغ نصا يتداخل فيه الواقع الذكي بسيرته الشخصية مع الخيال الروائي المجنح، وكأنه كان يودع العالم بخلط أوراقه الأخيرة لتظل سيرته لغزا جميلا ومثيرا للتأمل.

يجب أن نعرف أن المفكرين الكبار لا يموتون بدفن أجسادهم، فهم يظلون أحياء في كلماتهم التي أشعلوها في عقولنا، وعلى الرغم من هذا البذل المعرفي العظيم، وجهوده المضنية في تحديث الحركة النقدية المحلية والعربية، فإنه لم ينل من التكريم ما يليق بقامته السامقة؛ فلم يُكرم في حياته سوى من قِبل (اثنينية عبد المقصود خوجة) بجدة عام 2001م.

ولم يكن يبحث هذا الأديب والفيلسوف السعودي المهاجر الكبير عن الدروع التذكارية، والثناء الزائل، والشهادات التقديرية كما هو حالنا اليوم، إنما كان طموحه تحرير عقولنا من قيود الجهل والتبعية.

كما لم يكن في الوقت نفسه معارضا سياسيا أو يسعى إلى إسقاط نظام دولته، وإنما كان مثقفا وناقدا صاحب آراء جريئة في الأدب والثقافة والقضايا العامة، ودخل في سجالات فكرية مع عدد من المثقفين السعوديين حول الحداثة والنقد الأدبي، وظل يكتب في صحف (الرياض) و(عكاظ) و(الوطن) رغم إقامته الدائمة خارج المملكة.

حتى توفي في العاصمة الفرنسية باريس عام 2015م، ونُقل جثمانه إلى وطنه ليُوارى الثرى في مقبرة المعلاة بمكة المكرمة مسقط رأسه؛ تاركا وراءه إرثا نقديا وصحفيا شامخا، يذكرنا دائما بأن المثقف الوطني الحقيقي الصادق يمتلك قوة الطرح، وعمق الفكرة، ونقاء السيرة والسريرة؛ فرحم الله كاتبنا السعودي الشهم عابد محمد علي عنبر آغا خزندار، (خازن دار الكلمة الحرة، والوعي المستنير، وخازن دار الوجع).

رئيس التحرير

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.