كيف تتحول القوة من قيمة إلى استعلاء

كيف تتحول القوة من قيمة إلى استعلاء
لم يكن النمرود مجرد ملكٍ وقف في وجه إبراهيم عليه السلام، ثم مضى اسمه في صفحات التاريخ. النمرود، في دلالته الأوسع، فكرة تتكرر كلما امتلك الإنسان قوةً فظن أنها تمنحه الحق، وكلما جلس على كرسي فتوهم أن الكرسي رفعه فوق الناس، وكلما أحاط نفسه بمن يصفقون له حتى صدّق أن التصفيق شهادة، وأن النفوذ حصانة، وأن الناس خُلقوا ليقولوا له: نعم.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: متى مات النمرود؟
وإنما: متى نتخلص من النمرود الذي يمكن أن يولد داخل الإنسان؟
فالنمرود لا يبدأ تاجًا على الرأس، وإنما يبدأ فكرةً في العقل؛ يبدأ حين تتحول القوة من وسيلة إلى غاية، وحين يصبح المنصب امتيازًا شخصيًا، وحين يعتقد صاحبه أن اختلاف الآخرين معه إهانة، وأن النقد تمرد، وأن الاعتراف بالخطأ انكسار.
عندها تبدأ المسافة بين الإنسان والعدل في الاتساع، ويصبح النفوذ جدارًا يحجب عنه رؤية نفسه، ويصبح الكرسي مرآةً مشوهة؛ كلما نظر فيها رأى نفسه أكبر مما هو، وأقوى مما ينبغي، وأحق مما يستحق.
وقد تكشف الخصومة ما تخفيه المجاملات، ففي لحظة الاختلاف تسقط كثير من الأقنعة، ويظهر معدن الإنسان: هل يحفظ للآخرين حقوقهم حين تنتهي المصلحة؟ هل يستطيع أن يختلف دون أن ينتقم؟ هل يملك شجاعة الاعتراف بالخطأ؟ أم يبحث عن ثغرة في خصمه ليعاقبه بها؟
هناك، في تلك المسافة الدقيقة بين الاختلاف والانتقام، يظهر النمرود، ليس النمرود دائمًا صاحب جيش أو سلطان. قد يكون مديرًا يعتقد أن موظفيه ملكٌ له، أو أبًا يظن أن أبناءه مطالبون بالطاعة دون فهم، أو إنسانًا امتلك شيئًا من المال فبدأ يقيس الناس بما في جيوبهم، أو شخصًا حصل على مكانة اجتماعية فتعامل مع الآخرين من برجٍ مرتفع، وقد يكون النمرود أكثر خطورة حين يرتدي ثوب الحكمة، يتحدث عن النظام وهو يبحث عن السيطرة، ويتحدث عن المصلحة وهو يحرس امتيازاته، ويتحدث عن المبادئ وهو أول من يتجاوزها عندما تقترب من مصالحه.
وهنا يصبح الجبروت أكثر دهاءً؛ لأنه لا يأتيك دائمًا بوجهٍ عابس وسيفٍ مرفوع، وإنما قد يأتيك مبتسمًا، متحدثًا بلغة النظام، متدثرًا بثوب المصلحة، حتى يصعب على الناس اكتشافه قبل أن تصبح مخالبه في الأعماق.
إن أخطر النمور هو ذلك الذي يستطيع أن يجعل ظلمه يبدو عدلاً، وأن يجعل خوف الآخرين احترامًا، وأن يجعل صمتهم اقتناعًا.
وهنا تصبح المشكلة أعمق من شخص واحد؛ لأن المجتمعات لا يصنعها الجبابرة وحدهم، وإنما يصنعها أحيانًا الصمت الذي يمنح الجبروت فرصة للاستمرار.
حين يخاف الإنسان من قول الحقيقة، وحين يرى الخطأ ثم يختار السلامة، وحين يصفق للمتسلط خوفًا من خسارته، فإنه يمنح النمرود عمرًا إضافيًا.
فكل مرة يصمت فيها الحق أمام الباطل، يجد الجبروت نافذةً جديدة، وكل حزة تتحول المجاملة إلى تبرير، ينبت للنمرود جدارٌ آخر.
وكل مرة يخشى الإنسان على مصلحته أكثر من خوفه على كرامته، يصبح الطريق أمام المستبد أكثر اتساعًا، ولهذا فإن التخلص من النمرود يبدأ من مكان مختلف تمامًا: من داخل الإنسان نفسه.
يبدأ حين يتعلم صاحب القوة أن قوته اختبار، وأن المنصب مسؤولية، وأن احترام الناس لا يُنتزع بالأوامر، وأن الهيبة الحقيقية لا تحتاج إلى تخويف أحد؛ فالخوف قد يصنع طاعةً مؤقتة، لكنه لا يصنع احترامًا، والأوامر قد تحرك الأجساد، لكنها عاجزة عن صناعة الولاء في القلوب، والإنسان الذي يحتاج إلى إذلال الآخرين كي يشعر بقيمته، إنما يكشف عن فقرٍ وتصحر داخلي مهما ازدانت حوله مظاهر القوة.
لذا فإن التخلص من النمرود يبدأ حين يفهم الإنسان أن قيمة القيادة ليست في عدد الذين يخافون منه، وإنما في عدد الذين يستطيعون الحديث أمامه دون خوف؛ فاليد التي تستطيع أن تعاقب، ثم تختار العدل، أقوى من اليد التي تعاقب لأنها تستطيع، واللسان الذي يستطيع أن ينتصر في الخصومة، ثم يختار الكرامة، أرفع من لسانٍ يحول كل خلاف إلى معركة.
كما أن القائد الذي يستطيع أن يقول: أخطأت، أكثر قوةً من ذلك الذي يقضي عمره في البحث عن أعذارٍ تحمي صورته.
لقد حاور إبراهيم عليه السلام النمرود بالحجة، وحين عجز الجدل عن مواجهة الحقيقة، ظهرت حقيقة الجبروت، وهذه واحدة من أعظم دلالات القصة: حين تعجز القوة عن صناعة الحجة، تحاول أن تصنع الخوف، لكن الخوف، مهما طال، لا يغير الحقيقة، والجبروت، مهما ارتفع، لا يمنح صاحبه خلودًا، والسلطة، مهما اتسعت، لا تستطيع أن توقف حركة الأيام.
كل متجبر يظن أن سلطانه دائم، وكل مستعلٍ يعتقد أن الناس سيبقون تحت ظله إلى الأبد، وكل صاحب نفوذ يتخيل أن موقعه سيحميه من حساب الأيام؛ ينسى أن التاريخ مقبرة واسعة للجبابرة، وأنّ الأيام لا تمنح الخلود لمن ظنّ أن قوته تكفي لحماية مجده، وإنما يحفظ أثره بما صنع من خير.
فالسلطة تنتهي، والمنصب يتغير، والوجوه تتبدل، والذين كانوا يملؤون المكان حضورًا قد يصبحون بعد سنوات مجرد أسماء يتساءل الناس: كيف كان لهذا الإنسان كل ذلك النفوذ؟
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: النمرود يظن أن الناس يحتاجون إليه، بينما الأيام تثبت أن الإنسان قد يصبح يومًا ذكرى، وأن المكان الذي ظنه خالدًا يمكن أن يحتضن غيره في صباح آخر.
لهذا لا ينبغي أن يكون هدفنا التخلص من النمرود بعد ظهوره، وإنما منعه من أن يصبح ممكنًا أصلاً، نمنعه بالعدل حين يكون العدل مكلفًا، ونكفه بالوعي حين يحاول أن يشتري العقول، ونقف في وجهه بالشجاعة حين يصبح الصمت مشاركة، وندفع أذاه بالتربية التي تعلم أبناءنا أن القوة أخلاق قبل أن تكون قدرة، وأن احترام الإنسان لا يرتبط بمكانته، وأن الكرامة حق مشترك؛ لا يمنحه صاحب سلطة ولا يسلبه صاحب نفوذ.
والأهم من ذلك كله أن نراقب النمرود الصغير داخل نفوسنا، ذلك الجزء الذي يريد دائمًا أن ينتصر، حتى لو كان مخطئًاحتى لا تتحول القوة من قيمة إلى استعلاء ومن قدرة إلى تجبر.
فالمعركة الحقيقية لم تكن يومًا بين رجلٍ وجبار، وإنما بين الكرامة والخضوع، وبين الحقيقة والخوف، وبين الإنسان حين يكون حرًا، والإنسان حين يسمح لغيره أن يصنع له حدودًا لوجدانه.
