كُتاب الرأي

عندما ينسى الممثل النص المكتوب

عندما ينسى الممثل النص المكتوب 

في بداية كل علاقة، يحرص بعض الأشخاص على تقديم أفضل نسخة من أنفسهم. تتزين الكلمات بالوعود، وتُرسم المواقف بعناية، وتُنسج العهود والمواثيق كما لو أنها ستبقى ما بقي الزمن. يبدو المشهد متماسكًا، وتبدو النوايا صافية، حتى يكاد المرء يطمئن إلى أن ما يراه هو الحقيقة كاملة.

غير أن الزمن يمتلك قدرة لا يجيدها أحد؛ فهو لا يكتفي بمرور الأيام، وإنما يكشف ما أخفته الأقنعة، ويمتحن صدق المواقف حين تتغير الظروف. عندها تبدأ التفاصيل الصغيرة بالخروج إلى السطح، ويضعف ذلك الأداء الذي كان متقنًا في البدايات، فتظهر التناقضات، وتتساقط العبارات التي طالما رددها أصحابها، وكأن الممثل نسي النص الذي ظل يردده طويلًا.

المشكلة لا تكمن في تغير البشر، فالتغير سنة من سنن الحياة، وإنما في أولئك الذين بنوا العلاقة على شخصية مستعارة، وأخلاق مؤقتة، ومشاعر صُنعت لتنال القبول، لا لتبقى. كانوا يمثلون الإخلاص حتى جاء أول اختبار، ويدّعون الوفاء حتى اصطدمت مصالحهم بما تعهدوا به، ويتحدثون عن المبادئ ما دامت لا تكلفهم شيئًا.

وحين يسقط القناع، لا تكون الصدمة في الحقيقة الجديدة، وإنما في العمر الذي أُهدر مع صورة لم تكن موجودة أصلًا. يكتشف الإنسان أنه لم يكن يعيش مع الشخص الذي عرفه، وإنما مع شخصية كُتبت بعناية، وأُديت بإتقان، ثم انتهى عرضها بمجرد تغير الظروف.

ولهذا، لا تجعل البدايات المبهرة دليلًا على صدق النفوس، فالكلمات يستطيع الجميع حفظها، والأدوار يمكن لأي ممثل أن يؤديها بإتقان، بينما الأخلاق الحقيقية تظهر عندما تغيب المصلحة، ويحل الخلاف، وتشتد الحاجة، ويصبح الوفاء خيارًا لا مكسبًا.

العلاقات الصادقة لا تحتاج إلى ممثلين، لأنها لا تُدار بالنصوص المحفوظة، وإنما تُبنى بالعفوية والصدق والثبات. ومن كان حقيقيًا لن يرهقه الاستمرار، لأن الصدق لا يحتاج إلى ذاكرة قوية، أما الزيف فيتعب صاحبه، ويظل يخشى اللحظة التي ينسى فيها النص المكتوب.

ولعل أجمل ما يقدمه الزمن للإنسان أنه لا يكتفي بكشف الآخرين، غير أنه يعلمه ألا ينبهر بالبدايات، وألا يمنح ثقته دفعة واحدة، وأن يجعل المواقف هي الشاهد الحقيقي على معادن الناس. فالأقنعة قد تنجح في خداع العيون، بَيد أنها تعجز عن خداع الأيام، كونها وحدها قادرة على إسدال الستار، وإظهار الوجوه كما هي، دون تحسينات أو تمثيل.

ومن الملاحظ أيضا أن بعض العلاقات تبدأ بدايةً تخطف الأبصار. كلمات منمقة، واهتمام متدفق، ووعود لا تعرف الحدود، ومواثيق تبدو وكأنها كُتبت بحبر الوفاء. يظن الإنسان أنه وجد من يشبهه في المبادئ والقيم، فيفتح أبواب ثقته دون تحفظ وعلى أوسع نطاق، ويمنح قلبه مساحة كبيرةللاطمئنان.

ومع مرور الأيام، يتغير المشهد بهدوء. ليس لأن الحقيقة تغيرت، وإنما لأن القدرة على التمثيل بدأت تضعف. فالشخص الذي اعتاد أن يزن كل كلمة، وأن يرسم كل موقف ليبدو مثاليًا، يجد نفسه مع الزمن عاجزًا عن المحافظة على الشخصية التي صنعها. عندها يتكلم بطبيعته، ويتصرف بعفويته، وينسى الدور الذي ظل يؤديه طويلاً.

من يتأمل العلاقات الإنسانية يلاحظ أن البدايات ليست المعيار الحقيقي، فالخاطب يستطيع أن يبدو مثاليًا، والشريك يستطيع أن يخفي طباعه، والصديق الجديد يجيد إظهار أجمل ما لديه، وصاحب المصلحة يبالغ في الثناء والاهتمام ما دام الطريق إلى غايته مفتوحًا. غير أن الأيام تضع الجميع أمام اختبارات لا يمكن اجتيازها بالكلمات وحدها.

كم من شخص أقسم ألا يتغير، فإذا تبدلت الظروف تغير حديثه، وتبدلت مواقفه، واختفت وعوده. وكم من إنسان أعلن أن الوفاء جزء من شخصيته، ثم كان أول من غادر عندما أصبحت العلاقة تتطلب صبرًا أو تضحية أو موقفًا صادقًا. عندها لا يكون الزمن قد غيره، وإنما كشفه.

ولهذا قيل إن الناس لا تُعرف في أوقات الرخاء، وإنما حين تتعارض المصالح، أو يحضر الخلاف، أو تغيب المنفعة. ففي تلك اللحظات تسقط الزخارف، وتتكلم الأخلاق الحقيقية دون استئذان. وما كان ثابتًا يبقى، وما كان مصنوعًا يختفي.

هذا المشهد يتكرر في حياتنا كثيرًا؛ موظف يغدق على مديره عبارات الولاء، ثم يتحول إلى ناقد شرس بمجرد انتقال المنصب إلى غيره. وصديق لا ينقطع عن السؤال ما دامت حاجته قائمة، فإذا انتهت مصلحته أصبح الاتصال ثقيلًا عليه. وقريب يملأ المجالس بحديث المحبة، ثم يغيب عند أول موقف يحتاج حضوره. هذه المشاهد ليست استثناءات، وإنما دروس تؤكد أن الأقوال لا تكفي للحكم على الآخرين.

والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن التمثيل مرهق. يحتاج إلى ذاكرة تحفظ التفاصيل، وإلى جهد يحافظ على الصورة، وإلى حذر يمنع انكشاف التناقضات. أما الصدق فلا يحتاج إلى كل ذلك؛ لأنه يعيش بعفوية، ولا يخشى اختلاف الروايات، ولا يخاف من مرور الزمن.

ولذلك فإن أنضج العلاقات لم تكن تلك التي أبهرتنا في يومها الأول التجارب هي من أثبتت ووضحت وليس نحن،لقد أكدت التجارب أن العلاقات التي بقيت وفية لسنوات طويلة، وحافظت على احترامها عند الاختلاف وصمدت عند الشدائد، ولم تتغير عندما تبدلت الأحوال تعتبر هي العلامة الفارقة بين الوجوه الحقيقة وتلك المزيفة، فالمواقف الطويلة أقوى من الانطباعات السريعة، والأفعال أصدق من العبارات البرّاقة.

آخر القول:

لا تبتئس أو يصيبك الحزن عندما ينكشف زيف البعض، فالحقيقة مهما تأخر ظهورها أقل ألمًا من الاستمرار في وهمٍ جميل. والخسارة الحقيقية لا تٌعد في رحيل من كان يمثل دورًا لا يشبهه، وإنما في بقائه حتى يسرق من العمر ما لا يمكن استعادته.

ويبقى الزمن أعظم ناقد للمسرح الإنساني؛ فهو لا يصفق للممثلين، ولا يخدع بالمشاهد الأولى، يظل ينتظر حتى يسهو أحدهم عن دوره، فتسقط الأقنعة، ويغادر الوهم خشبة الحياة، وتبقى الوجوه الحقيقية وحدها قادرة على مواصلة الطريق.

علي بن عيضة المالكي

كاتب رأي

علي بن عيضة المالكي

كاتب رأي وإعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.