كُتاب الرأي

الطبق المكسور

الطبق المكسور 

في كل تجربة تنتهي، يبقى سؤال يتردد في النفس: هل يمكن أن تعود الأشياء كما كانت؟

قد تنجح محاولات إصلاح الأدوات المادية، وقد يلتئم الكسر في ظاهرها، إلا أن أثر الشقوق يظل حاضرًا، يذكّر بما حدث، ويغيّر طبيعة استخدامها. والعلاقات الإنسانية لا تختلف كثيرًا عن ذلك. فهناك علاقات وصلت إلى نهايتها بعد سلسلة طويلة من المواقف والخيبات وتآكل الثقة، ثم يظهر من يدعو إلى إحيائها من جديد، متجاهلاً الأسباب التي أوصلتها إلى نقطة النهاية.

الخطأ لا يكمن في التسامح، فالتسامح قيمة عظيمة، ولا في الصفح، فهو من أنبل الأخلاق، وإنما يكمن في تجاهل الدروس التي دفعت ثمنها الأيام، وفي إقناع النفس أن الزمن وحده قادر على تغيير النفوس دون أن يسبق ذلك اعتراف بالخطأ، أو تغير حقيقي في السلوك، أو بناء جديد للثقة.

كل علاقة تنتهي تحمل رسالة، وقد تكون تلك الرسالة حماية للنفس من تكرار الأذى، أو تنبيهًا إلى ضرورة إعادة ترتيب الأولويات، أو اكتشافًا لقيمة الذات. وعندما نهمل هذه الرسائل، يصبح الرجوع إلى العلاقة القديمة أشبه بإعادة قراءة صفحة انتهى فصلها، مع توقع نهاية مختلفة.

ومن الحكمة أن يدرك الإنسان أن الحنين قد يزين الماضي، وأن الوحدة قد تدفع إلى قرارات لا تنسجم مع العقل، وأن بعض الأشخاص يجيدون العودة بالكلمات الجميلة، بينما تبقى الأفعال حبيسة الماضي، لا تحمل أي تغيير حقيقي.

العلاقات الصحية عادة تبنى على الاحترام، والصدق، والثقة، والتقدير المتبادل. وعندما تتصدع هذه الأسس مرات متكررة، يصبح ترميم الشكل الخارجي أمرًا لا يعيد قوة البناء. ولهذا فإن حماية النفس لا تعني إغلاق أبواب الرحمة، لكنها تعني صيانة الكرامة، واحترام الخبرة التي صنعتها التجارب.

الطبق المكسور قد يُلصق بعناية، وقد يبدو متماسكًا من بعيد، إلا أن صاحبه يتعامل معه بعد ذلك بحذر، لأنه يعرف أن قوته الأولى قد تغيرت. وكذلك العلاقات التي انتهت لأسباب عميقة؛ فمحاولات إعادتها تحتاج إلى تغيير حقيقي، لا إلى وعود مؤقتة، وإلى أفعال متراكمة، لا إلى كلمات مؤثرة.

ويبقى الإنسان الحكيم من يجعل تجاربه جسورًا ينتقل بها إلى مستقبل أكثر اتزانًا، ولا يحولها إلى دوائر يعود إليها كلما اشتاق إلى الماضي. فبعض النهايات لم تأتِ لتكسر القلب، وإنما جاءت لتحمي ما بقي منه، وتفتح بابًا لمستقبل أكثر وعيًا واستقرارًا.

آخر منعطف:

محاولتك المستمرة لإنعاش علاقة قد انتهت، لن يكون له ذلك النفع الذي تتوقعه؛ مثله تمامًا الطبق المكسور ربما تحتفظ به لكن لن يكون صالحًا للاستخدام من جديد.

علي بن عيضة المالكي

كاتب رأي

علي بن عيضة المالكي

كاتب رأي وإعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.