المشهد الأخير

المشهد الأخير
أمضى سنواته وهو يمنح دون أن يحصي ما منح، ويقف حيث يتراجع الآخرون، ويحمل من الأعباء ما يكفي لأن يثقل الهمم ويثبط العزائم. كان يظن أن العطاء، حين يخرج من قلب صادق، يجد طريقه ذات يوم إلى القلوب التي قصدها. لذلك مضى مطمئنًا، يرمم ما تصدع، ويسند من أوشك على السقوط، ويمنح من وقته وجهده واهتمامه، حتى صار وجوده جزءًا من تفاصيل حياة الآخرين.
لم يكن ينتظر مديحًا، ولا كان يطالب بمقابل. كان يكفيه أن يرى أثرًا صغيرًا لما صنعه. ابتسامة أعادها إلى وجه حزين، طريقًا فتحه أمام من تعثر، أزمة خفف وطأتها، وحلمًا ساعد صاحبه على بلوغه. كان يرى في ذلك معنى يستحق كل ما دفعه من عمره.
مرت السنوات، وتراكم العطاء حتى أصبح شيئًا مألوفًا في أعين من حوله. وهنا بدأت المأساة.
حين أدرك أن كل ما منحه طوال السنوات الماضية لم يكن كافيًا ليصنع أثرًا، وأن اليد التي امتدت بالعطاء كثيرًا عادت إليه فارغة. قدّم من وقته، ومن جهده، ومن صبره، ومن مشاعره، وظل يؤمن أن الأشياء الجميلة تنمو حين تجد قلبًا صادقًا يرعاها.
احتمل كثيرًا، وتجاوز كثيرًا، وصمت عن أشياء كان يستطيع الحديث عنها، لأن قيمة ما بينه وبين الآخرين كانت عنده أكبر من لحظة غضب أو عتاب. كان يظن أن الوفاء، مهما تأخر حصاده، سيأتي يومًا بصورة تليق بكل ما بذله، ثم اكتشف الحقيقة التي تؤلم أكثر من الخذلان نفسه: أن بعض العطاء يذهب إلى أماكن لا تعرف قيمته، وأن بعض القلوب تعتاد ما تقدمه لها حتى تراه حقًا مكتسبًا، فإذا توقفت عن العطاء شعرت أنها فقدت شيئًا كان واجبًا عليك أن تمنحه.
حين يصبح عطاؤك عادة في حياة الآخرين، يتوقف البعض عن رؤيته فضلًا، ويبدأون في اعتباره حقًا مكتسبًا. يصبح حضورك أمرًا مسلمًا به، وتصبح تضحياتك خلفية صامتة لا يلتفت إليها أحد. وحين تتعب، يتساءلون عن سبب تغيرك، وحين تتراجع خطوة، يتساءلون لماذا لم تعد كما كنت.
لم يكن يؤلمه أن أحدًا لم يشكره؛ فقد اعتاد أن يعطي دون انتظار. الذي آلمه أن كل ما بذله لم يترك الأثر الذي ظنه يومًا. اكتشف أن بعض العلاقات كانت قائمة على ما يقدمه، لا على قيمته هو. وأن بعض القرب لم يكن محبة، وإنما حاجة. وأن سنوات طويلة من التضحية قد تتحول، في لحظة اكتشاف واحدة، إلى سؤال ثقيل:
ماذا بقي من كل هذا؟
عاد إلى نفسه متأخرًا، كمن يعود إلى بيت هجره طويلًا. نظر في أعوامه الماضية، فرأى أماكن كثيرة ترك فيها شيئًا منه؛ وقتًا، وراحة، وأحلامًا مؤجلة، وفرصًا تنازل عنها، وأيامًا كان يستطيع أن يعيشها لنفسه، لكنه اختار أن يعيش جزءًا كبيرًا منها للآخرين.
لم يندم على الخير الذي صنعه، فالخير لا يفقد قيمته لأن بعض الناس لم يعرفوا قدره. لكنه أدرك أن الإنسان يستطيع أن يمنح حتى آخر ما لديه، ثم يكتشف أنه كان ينقذ علاقة لا تريد النجاة، ويحمل أشخاصًا اختاروا الاتكاء عليه بدل الوقوف بأنفسهم.
عندها لم يغضب، وهذه كانت أكثر لحظاته نضجًا؛ فالغضب يحتاج إلى خصم، أما هو فلم يعد يبحث عن خصم. أدرك أن بعض النهايات لا تحتاج إلى عتاب، وأن بعض الأبواب حين تُغلق لا تستحق أن يطرقها المرء مرة أخرى. اكتفى بأن جمع ما تبقى منه، وأعاد ترتيب أولوياته، واسترد المساحة التي منحها طويلًا للآخرين.
ثم جاء المشهد الأخير. لم يرفع صوته، ولم يكتب قائمة طويلة بما قدم، ولم يستدعِ ذاكرة أحد ليذكّره بتضحياته. لم يطالب باعتذار، ولم ينتظر اعترافًا متأخرًا.
رحل فقط، رحل كما ينسحب رجل أدرك أن بقاءه لم يعد يضيف شيئًا، وأن الاستمرار في العطاء داخل أرض عقيمة لا يحوّلها إلى بستان. كان رحيله هادئًا إلى درجة أربكت من اعتادوا وجوده، ومهيبًا إلى درجة جعلتهم يفهمون، متأخرين، قيمة الأشياء التي لم ينتبهوا إليها وهي بين أيديهم.
وحين غاب، ظهرت التفاصيل التي كان حضوره يخفيها، هناك أشياء كانت تستقيم لأنه موجود، وأعباء كان يحملها دون أن يتحدث عنها، ومساحات كان يملؤها دون أن يطلب من أحد أن يلاحظ. اكتشف البعض أن الرجل الذي اعتادوا وجوده لم يكن مجرد شخص في حياتهم؛ كان جزءًا من توازنها، لكن المشهد كان قد انتهى.
فبعض الناس لا يعرفون قيمة النعمة إلا بعد غيابها، وبعضهم لا يكتشف حجم العطاء إلا حين يتوقف صاحبه عن تقديمه، أما هو، فلم يعد يعنيه أن يفهموا، كان قد وصل إلى الحقيقة الأهم: ليس كل ما نعطيه ينبغي أن يستمر، وليس كل من نمنحه أعمارنا يستحق بقية العمر.
ترك وراءه كل شيء دون ضجيج، ومضى يحمل في قلبه سلامًا يشبه انتصارًا متأخرًا، لم يكن رحيله هزيمة، كان آخر ما تبقى له من الوفاء لنفسه. وفي المشهد الأخير، لم يخسر أحدًا، لقد استعاد نفسه.
علي بن عيضة المالكي / كاتب رأي
