كُتاب الرأي

E1.. حين تسبق الجرافة طاولة المفاوضات

E1.. حين تسبق الجرافة طاولة المفاوضات

عبدالمحسن محمد الحارثي

بين الجرافات والدبلوماسية.. من ينتصر أخيرًا؟

في السياسة ؛ لا تُرسم الخرائط بالحبر وحده؛ أحيانًا تُرسم بالإسمنت، وبالمستوطنات، وبالطرق التي تشقها الجرافات. ومن هنا تأتي خطورة E1؛ فالمسألة ليست في عدد الوحدات الاستيطانية وحدها، وإنما في موقع المشروع وآثاره المحتملة على التواصل الجغرافي الفلسطيني، وعلى إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة.

هنا تظهر عبارة أصبحت من مفردات السياسة الحديثة: «الحقائق على الأرض».

فالاستيطان، حين يتوسع، لا يضيف مساكن فقط؛ بل يغيّر الجغرافيا، والجغرافيا حين تتغير ترفع كلفة أي تسوية سياسية لاحقة.

وقد حذّر وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري من أن استمرار التوسع الاستيطاني داخل المناطق الفلسطينية يجعل الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ونقل السيادة مستقبلًا، أكثر صعوبة.

كان ذلك تحذيرًا سياسيًا؛ أما اليوم، فتأتي E1 كصورة جغرافية لذلك التحذير.

فالجرافة لا تبني منزلًا فقط؛ إنها قد تجعل مهمة المفاوض أصعب غدًا.

وهنا يبدأ السباق الحقيقي.

الجرافة كالسلحفاة؛ بطيئة، لكنها لا تتوقف. والدبلوماسية كالأرنب؛ سريعة، كثيرة الحركة، لكنها لا تستطيع إعادة الزمن إلى الوراء.

لذلك فالسؤال ليس: من الأسرع؟

بل: من يبني الواقع الحقيقي؛ الأرض أم طاولة المفاوضات؟

فكل حجر يوضع اليوم قد يتحول غدًا إلى ورقة تفاوض، وكل طريق جديد قد يصبح جزءًا من خريطة مستقبلية، وكل توسع استيطاني قد يرفع ثمن التسوية القادمة.

ولهذا فالاستيطان ليس قضية عمرانية فحسب؛ إنه سياسة جغرافية.

ومن هنا ؛ تبرز التصورات التوسعية التي تتبناها تيارات إسرائيلية متطرفة تحت شعارات «إسرائيل الكبرى». فحين تتحول الفكرة إلى خريطة، والخريطة إلى جرافة، والجرافة إلى مستوطنة، يصبح الأمر أبعد من بناء مساكن؛ يصبح محاولة لصناعة واقع سياسي جديد.

لكن التاريخ يعلّمنا أن الواقع الذي تصنعه القوة لا يصبح بالضرورة واقعًا مشروعًا.

وهنا تأتي الدبلوماسية.

فقد رفضت ثماني دول، في مقدمتها المملكة العربية السعودية، مخطط E1 والأنشطة الاستيطانية المرتبطة به، وحذرت من أثره على التواصل الجغرافي الفلسطيني وإمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة.

وهذا الموقف يبعث برسالة واضحة: تغيير الجغرافيا لا يعني تغيير الحق، والأمر الواقع الذي تصنعه الجرافات لا يتحول تلقائيًا إلى شرعية.

أما غزة، فقد قدمت درسًا آخر.

لقد صمدت أمام حرب مدمرة، لكن الصمود وحده لا يصنع مشروعًا سياسيًا. وما آلت إليه غزة لا يمكن اختزاله في طرف واحد؛ فالحرب، والانقسام الفلسطيني، والسياسات المتراكمة والمتهورة لدى حماس ، والعوامل الإقليمية والدولية، كلها تداخلت في صناعة المشهد.

وفي الضفة الغربية ؛ تقف السلطة الفلسطينية وحركة فتح أمام معادلة شديدة الصعوبة:

المحافظة على ما تبقى من الأرض، وفي الوقت نفسه وقف الاستيطان وإحياء الأمل في مسار تفاوضي.

فالمفاوض الفلسطيني لا يملك رفاهية الانتظار؛ لأن ما تفقده الجغرافيا اليوم قد يصبح استعادته على طاولة المفاوضات غدًا أكثر صعوبة.

وهنا المفارقة:

الجرافة لا تتفاوض، لكنها تغيّر شروط التفاوض.
والدبلوماسية لا تبني بيتًا، لكنها تستطيع أن تمنع البيت من أن يصبح حدودًا.

لذلك فالمعركة الحقيقية ليست بين الجرافة والأرنب، ولا بين السلحفاة والأرنب؛ إنها معركة بين من يصنع الأمر الواقع، ومن يستطيع منع الأمر الواقع من أن يتحول إلى أمر دائم.

قد تربح الجرافة جولة، وقد تربح الدبلوماسية جولة؛ لكن التاريخ لا يكتبه الأسرع دائمًا، بل من يملك القدرة على تحويل ما يصنعه إلى شرعية قابلة للحياة.

ويبقى السؤال الذي تتركه E1 مفتوحًا:

هل تستطيع طاولة المفاوضات أن تستعيد ما أخذته الجرافة، أم أن الدبلوماسية مطالبة هذه المرة بأن تسبقها؟

ففي هذا السباق ؛ الأرض هي الساعة.. والدبلوماسية هي عقاربها!!

كاتب رأي 

 

 

عبدالمحسن محمد الحارثي

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.