كُتاب الرأي

فقه الأثر

فقه الأثر

الفعل… وردة الفعل الصامتة

عبدالمحسن محمد الحارثي

ليست كل العلاقات تنتهي بخصومة، ولا كل القلوب إذا تعبت أفصحت عن تعبها. فكثير من الود يغادر في هدوء، وكثير من المسافات تبدأ بخطوة لا يكاد يلحظها أحد، حتى يبدو الابتعاد في النهاية وكأنه حدث فجأة، وما كان كذلك، بل كان أثرًا تراكم بصمت.

وهنا .. يبرز ما يمكن أن نسميه فقه الأثر؛ وهو أن يدرك الإنسان أن قيمة أفعاله لا تُقاس بنيته وحدها، ولا بصورتها الظاهرة، وإنما بما تتركه في نفوس الآخرين.
فالفعل قد ينتهي في لحظته، أما أثره فقد يبقى سنوات.

ولذلك .. وجَّه القرآن الكريم إلى بناء الأثر قبل بناء الموقف، فقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، ثم قال سبحانه: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. ولم يقل: لخاصموك أو لرفضوك، بل قال: ﴿لانفضوا﴾؛ لأن القلوب كثيرًا ما تنسحب في صمت، قبل أن تبتعد الأجساد.

ونرى ذلك في حياتنا أكثر مما نظن.

فقد يكون الإنسان صاحب جاه أو مكانة، فيقصده الناس طالبين شفاعة، أو توصية، أو خدمة.
فيبذل ما يستطيع، ويعتذر عما يعجز عنه، ثم يفاجأ بأن هاتفه لم يعد يرن إلا لحاجة، وأن اللقاء الذي كان عامرًا بالمودة، أصبح يسبقه طلب ويتبعه طلب.

وقد يكون رجل أعمال عُرف بدعم المبادرات المجتمعية، فتتوالى عليه الخطابات والرسائل، حتى يصبح كل لقاء مشروع طلب جديد.
وليس كل من يصمت بخيلًا، ولا كل من يعتذر معرضًا عن الخير، وإنما قد يختار الصمت لأنه لا يريد أن يجرح طالبًا بالاعتذار، ولا أن يعد بما لا يملك.

وهنا تكمن الحقيقة التي يغفل عنها كثير من الناس:

ليس كل من ابتعد قد تغيّر، وليس كل من صمت قد جفّ ودّه؛ فبعض الناس ينسحبون من المشهد لأنهم يخشون أن يخذلوك، فيؤثرون الصمت على الاعتذار، والغياب على الإحراج.

فالمشكلة ليست في الطلب إذا حضر، وإنما في الطلب إذا أصبح هو اللغة الوحيدة للعلاقة.
وليست في الاستعانة بالناس، فالتعاون خُلق كريم، وإنما في أن تتحول المودة إلى التزام، والفضل إلى استحقاق، حتى يشعر الطرف الآخر أن حضوره لم يعد مطلوبًا لذاته، بل لما يستطيع أن يقدمه.

إن لكل علاقة رصيدًا خفيًا من الارتياح والثقة..يزيده حسن التقدير، ولطف الطلب، وقبول الاعتذار، وينقصه الإلحاح، وسوء التوقيت، وتكرار الإحراج. فإذا نضب هذا الرصيد، لم تُغلق الأبواب، لكن القلوب تبدأ بالانسحاب في هدوء.

ومن الحكمة أن نحفظ للناس حقهم في الاعتذار، كما نحفظ لأنفسنا حق الرجاء. وأن ندرك أن من قال: «لا أستطيع» قد يكون صادقًا، وأن من تأخر في الرد ليس بالضرورة متكبرًا، بل ربما كان يحاول أن يحافظ على ما بقي من الود.

لقد علّمنا الإسلام أن نحفظ القلوب كما نحفظ الحقوق، فقال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾. فليست قيمة المعروف في حجمه، بل في أثره، وليست قيمة العلاقة في كثرة ما نأخذ منها، بل في قدرتها على البقاء نقية من الحرج.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يسأله كل واحد منا لنفسه:

ماذا تركتُ اليوم في قلوب الناس؟

فقد ينسى الناس ما قدمته لهم، وقد ينسون ما قصرت فيه، لكنهم لا ينسون الشعور الذي غادروا به بعد لقائك.

ذلك هو فقه الأثر… أن تدرك أن الفعل يطويه الزمن، أما أثره في القلوب فيبقى شاهدًا لك أو عليك. وإذا كان حسن الخلق أجمل ما يفعله الإنسان، فإن حسن الأثر أجمل ما يتركه الإنسان.

كاتب رأي 

 

 

 

 

عبدالمحسن محمد الحارثي

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.