كُتاب الرأي

من الإسلام دينًا… إلى الإسلام مشروعًا سياسيًا

من الإسلام دينًا… إلى الإسلام مشروعًا سياسيًا

“المودودي وصناعة نظرية الإسلام السياسي”

بقلم: عبد العزيز الموسى

في الثاني والعشرين من سبتمبر تحل ذكرى وفاة أبي الأعلى المودودي، وهي مناسبة تستحق استعادة الفكرة التي ارتبطت باسمه أكثر من استعادة سيرته. فقد كان واحدًا من أبرز من صاغوا في القرن العشرين تصورًا جديدًا للعلاقة بين الإسلام والسياسة؛ تصورًا لا يكتفي بأن يكون الدين مرجعية للقيم والأخلاق والتشريع، وإنما يجعله أساسًا لمشروع سياسي يتطلع إلى الدولة.

ولا تبدأ أهمية المودودي من كونه أدخل السياسة إلى الإسلام؛ فأسئلة الحكم والعدل والشورى والسياسة الشرعية قديمة في التراث الإسلامي. إنما الجديد هو تحويل المرجعية الدينية إلى مشروع سياسي حديث. فالإسلام السياسي، بهذا المعنى، ليس مجرد حضور الدين في المجال العام، ولا هو مجموع الأحكام الفقهية المتعلقة بالحكم والسياسة، وإنما هو اتجاه حديث يجعل من الإسلام مرجعية لبرنامج سياسي منظم، يتعامل مع السلطة والدولة والتشريع بوصفها أدوات أساسية لتحقيق تصور معين للنظام الإسلامي. ويزداد الأمر حساسية حين تنتقل المرجعية من كونها إطارًا دينيًا عامًا إلى مشروع تدعي جماعة سياسية تمثيله؛ فعندها لا يعود التنافس على السلطة تنافسًا سياسيًا محضًا، بل يمكن أن يتحول الاختلاف مع المشروع إلى خلاف حول من يملك حق تمثيل الإسلام في المجال العام.

نشأ مشروع المودودي في لحظة كانت فيها البنية السياسية للعالم الإسلامي تتغير جذريًا. انهارت الدولة العثمانية، وتوسع النفوذ الاستعماري الأوروبي، وصعدت الدولة الوطنية، وتراجعت التصورات السياسية القديمة، في وقت كانت القومية والاشتراكية والليبرالية تقدم نفسها نماذج متنافسة لتنظيم المجتمع والدولة. وفي شبه القارة الهندية كانت المسألة أكثر تعقيدًا؛ إذ ارتبط مستقبل المسلمين بسؤال الهوية والمكانة السياسية في مجتمع متعدد الأديان، تحت الاستعمار البريطاني، ثم في ظل التحولات التي انتهت إلى قيام باكستان.

لذلك لم يكن سؤال المودودي دينيًا مجردًا، بل كان أيضًا سؤالًا عن الهوية والسلطة والمستقبل. وقد رأى أن الدفاع عن الإسلام لا ينبغي أن يتوقف عند إصلاح الفرد والمجتمع، وإنما يحتاج إلى تصور سياسي قادر على مواجهة النماذج التي فرضها العصر. ومن هنا بدأ بناء مشروعه الفكري.

كانت إضافته الأساسية أنه أعاد تركيب مفاهيم حديثة مثل الدولة والدستور والقانون والسيادة والانتخاب داخل مرجعية إسلامية. فلم تعد الدولة في تصوره مجرد إطار لإدارة المجتمع، بل غدت المجال الذي يمكن من خلاله إقامة النظام الإسلامي في الحياة العامة. وبذلك أصبح السؤال مختلفًا: ليس فقط كيف يكون الحكم عادلًا، وإنما ما طبيعة الدولة التي ينبغي أن تقوم إذا كان الإسلام هو المرجعية العليا لها؟

وتظهر هنا مفارقة أساسية في مشروعه؛ فقد واجه الدولة الحديثة بأدواتها الفكرية والسياسية نفسها. استخدم لغة الدستور والقانون والمؤسسات والتنظيم والانتخابات، لكنه أعاد تعريف الأساس الذي تقوم عليه هذه الأدوات. فلم تكن المشكلة في وجود المؤسسات الحديثة من حيث هي، وإنما في مصدر السلطة الذي يمنحها الشرعية، وفي حدود الإرادة البشرية في التشريع.

ومن هنا اكتسب مفهوم الحاكمية موقعه المركزي. فالحاكمية ليست فكرة بلا جذور في التراث الإسلامي، لكن المودودي نقلها إلى قلب النظرية السياسية، وجعلها مدخلًا لتحديد مصدر الشرعية وحدود السلطة. فإذا كانت الحاكمية لله، فإن الإرادة البشرية لا تصبح مطلقة، ولا تستطيع أن تجعل من نفسها المصدر النهائي للتشريع.

ولم تبقَ الحاكمية في حدود النظرية التي صاغها المودودي؛ فقد كان لها أثر يتجاوز سياقه الهندي، بعدما انتقلت أفكاره إلى بيئات إسلامية أخرى وأعيد تفسيرها داخل صراعات سياسية مختلفة. ومع هذا الانتقال لم تعد الحاكمية مجرد بحث في مصدر التشريع أو حدود السلطة، بل أصبحت في بعض القراءات اللاحقة أداة للحكم على طبيعة الأنظمة السياسية نفسها: هل تستمد شرعيتها من مرجعية إسلامية أم من الإرادة البشرية؟ وهنا تحولت الفكرة من مبدأ في النظرية السياسية إلى معيار للصراع حول الشرعية السياسية، وأصبح السؤال عن «من يحكم؟» متداخلًا مع سؤال «من يملك حق التشريع؟».

وهذا هو الأثر التاريخي الأهم للحاكمية: أنها ساعدت على نقل النقاش من حدود السلطة في الدولة إلى مصدر الشرعية السياسية ذاتها. ومع انتقالها بين البيئات والتيارات، اختلفت دلالاتها واستخداماتها، فلا يصح اختزال كل ما ظهر لاحقًا فيها أو نسبته مباشرة إلى المودودي. لكن يصعب إنكار أن صياغته وفرت للإسلام السياسي أحد أكثر مفاهيمه قدرة على الانتقال وإعادة التوظيف؛ لأنها تضع الدولة والتشريع والسيادة في سؤال واحد، وتجعل الموقف من السلطة مرتبطًا بالموقف من المرجعية الدينية.

وقاد هذا التصور إلى محاولة الجمع بين بعض آليات المشاركة السياسية الحديثة وبين مرجعية لا تجعل الإرادة الشعبية صاحبة السيادة النهائية. ومن هنا ظهر تعبير «الديمقراطية الإلهية»؛ فالمشاركة والانتخاب والشورى يمكن أن تكون أدوات لإدارة الدولة، لكن داخل إطار مرجعي أعلى لا تملك الأغلبية السياسية تجاوزه.

وهذا التصور يكشف إشكالًا يتجاوز المصطلح نفسه: إذا كانت الأمة تختار ممثليها، لكنها لا تملك تجاوز المرجعية التي تحدد الإطار العام للتشريع، فأين تنتهي إرادتها السياسية؟ وإذا تعددت الاجتهادات في فهم النص وتنزيله على واقع متغير، فمن يملك الفصل بينها؟

عند هذه النقطة تنتقل المسألة من النظرية إلى الدولة. فالتعدد في الفهم يمكن أن يبقى اختلافًا علميًا أو فقهيًا ما دام في مجاله الطبيعي، لكنه يصبح مختلفًا عندما يتحول أحد التفسيرات إلى قانون ملزم للجميع. عندئذ لا يعود السؤال: ما الرأي الفقهي الأرجح؟ وإنما: من يملك سلطة تحويل هذا الرأي إلى قاعدة سياسية وقانونية؟

وهنا يتضح الفرق بين حضور الدين في المجال العام وتسييس الدين. فمن الطبيعي أن يستلهم المجتمع قيمه الدينية في رؤيته للعدل والأسرة والمصلحة العامة، وأن يكون للدين تأثير في الثقافة والتشريع والأخلاق. لكن الأمر يتغير عندما تتحول المرجعية الدينية إلى برنامج سياسي منظم، ويصبح الوصول إلى الدولة أو توجيهها وسيلة لتحقيق هذا البرنامج. عندها يدخل الخلاف السياسي في مساحة الشرعية الدينية، ويصبح الاختلاف على إدارة الدولة قابلًا للتحول إلى اختلاف حول من يملك حق تمثيل الإسلام نفسه.

ومع ذلك، لا يصح أن تُقرأ تجربة المودودي باعتبارها تفسيرًا مباشرًا لكل ما ظهر لاحقًا في العالم الإسلامي. فالسياق الذي نشأ فيه مشروعه كان مختلفًا عن السياقات العربية التي استقبلت أفكاره فيما بعد. كانت قضايا الأقلية والاستعمار والهوية وإعادة تشكيل المجال السياسي حاضرة بقوة في تجربته، بينما واجهت الحركات التي تأثرت بأفكاره لاحقًا ظروفًا اجتماعية وسياسية مختلفة، وأعادت تفسير المفاهيم نفسها وفق حاجاتها وصراعاتها. ولذلك فإن تتبع أثر المودودي لا يعني تحميله نتائج كل تجربة لاحقة، وإنما يعني فهمه باعتباره أحد أهم المصادر التي أسهمت في تشكيل قاموس الإسلام السياسي الحديث.

فقد منح هذا التيار لغة سياسية متماسكة يمكن نقلها من بيئة إلى أخرى: الدولة الإسلامية، والحاكمية، والسيادة، والتشريع، والدستور، والنظام الإسلامي. وبذلك لم تعد الدعوة إلى إصلاح المجتمع منفصلة عن سؤال السلطة، وأصبح بالإمكان تصور الإسلام بوصفه مشروعًا له نظرية في الدولة ومصدر الشرعية ووظيفة الحكم.

وتكمن أهميته التاريخية، إذن، في أنه بلور علاقة حديثة بين المرجعية الدينية والمشروع السياسي، ووضع الدولة في موقع مركزي داخل هذه العلاقة. ومن خلال ذلك انتقل الخطاب من السؤال عن صلاح المجتمع وعدالة الحكم إلى سؤال أكثر تركيبًا: ما الدولة التي ينبغي أن تحمل المشروع الإسلامي، ومن يملك تحديد هذا المشروع وتفسير مرجعيته؟

وهنا ينبغي أن يكون النقد منصبًا على البنية الفكرية للمشروع، لا على أصل حضور الدين في الحياة العامة. فالمشكلة ليست في أن تكون للدين قيم ومبادئ مؤثرة في المجال العام، وإنما في تحويل المرجعية الدينية إلى أيديولوجيا سياسية، ثم جعل السلطة أداة لتحقيق تصور ديني محدد. عندها لا تعود السياسة مجرد إدارة للشأن العام، بل تصبح منافسة على تعريف المجتمع والدولة باسم الدين.

وبعد سبعة وأربعين عامًا من رحيله، ربما لا تكمن أهمية المودودي في الأجوبة التي قدمها بقدر ما تكمن في المفارقة التي تركها مشروعه مفتوحة: أراد أن يجعل الدولة خادمة للدين، لكن تحويل الدين إلى مشروع للدولة قد يجعل المرجعية الدينية نفسها خاضعة لمنطق المنافسة السياسية، وتعدد التأويلات، والصراع على السلطة. وهنا لا تكون المسألة أن الإسلام دخل السياسة، وإنما أن السياسة، حين تتخذ من الدين مشروعًا لها، قد تبدأ في إعادة تشكيل علاقتنا بالدين نفسه.

إلى اللقاء

كاتب رأي 

 

عبدالعزيز الموسى

كاتب رأي وعضو التوجيه والإرشاد بالحرمين الشريفين سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.