كُتاب الرأي

عبدالوهاب أبو سليمان

عبدالوهاب أبو سليمان

حين يبدأ الفقه من المكان

بقلم: عبدالعزيز الموسى

لم تكن القضية التي شغلت معالي الشيخ الأستاذ الدكتور عبدالوهاب بن إبراهيم أبو سليمان رحمه الله هي: هل يجوز توسيع المسعى؟ بل كان سؤاله أسبق من ذلك: هل ما نريد توسيعه هو المسعى كله أصلًا؟

هنا تتضح إحدى أهم خصائص فقهه؛ إذ لم يتعامل مع المسعى بوصفه ممرًا عمرانيًا تحده الجدران والمنشآت، وإنما بوصفه موضعًا لشعيرة، يستلزم الحكم عليها أولًا معرفة حقيقته وحدوده.

ومن هذه الزاوية جاءت قيمة كتابه القيم «توسعة المسعى عزيمة لا رخصة»، الذي أعاد فيه بناء المسألة من أصلها، فلم يبدأ بالسؤال عن حكم التوسعة، وإنما عاد إلى السؤال عن حدود المكان الذي تتعلق به العبادة.

وكان هذا السؤال حاضرًا في الجلسة العلمية السابعة لمؤسسة المداد للتراث والثقافة والفنون، التي عُقدت في 6/ 4/ 1448هـ الموافق 17/ 9/ 2026م، وقدم فيها فضيلة الشيخ الدكتور سليمان بن علي الفيفي رئيس لجنة الشؤون الإسلامية والقضائية في مجلس الشورى السعودي ورقة قيمة راقية تناولت الفكر الفقهي للشيخ أبو سليمان، واتخذت كتاب «توسعة المسعى عزيمة لا رخصة» نموذجًا تطبيقيًا لمنهجه. وأبرزت الورقة اتساع أدواته في دراسة المسألة، وجمعه بين النصوص الفقهية والمعطيات التاريخية والدراسات الجيولوجية وشهادات أهل الخبرة، للوصول إلى حقيقة المكان الذي يتعلق به الحكم.

وفي المداخلة التعقيبية التي قدمتها في الجلسة، طرحت ملخصًا لورقة بحثية في ثلاثة أسئلة تتصل بجوهر المسألة: هل تحولت الصورة العمرانية التي عرفها الناس في مرحلة معينة إلى ما يشبه الحد الشرعي للمسعى في الوعي المعاصر؟ وهل سبق التفكير في معالجة الزحام بالتوسع الرأسي داخل البناء إثبات حدود المسعى، بحيث صار البناء يرسم في الوعي صورة المكان؟ وهل أدى الاعتياد على الصورة الموروثة إلى حجب أدلة أخرى يمكن أن تكشف عن امتداد أوسع للمسعى؟

وهذه الإشكالات التي طرحتها في المداخلة تتقاطع مع ما اشتغل عليه الشيخ أبو سليمان في كتابه؛ فهو لم يبدأ من سؤال: هل تجوز التوسعة؟ وإنما عاد خطوة إلى الوراء ليسأل: ما حدود المسعى أصلًا؟

وهذه ليست نقلة في العبارة، بل في بناء المسألة الفقهية نفسها.

فقد بحث الشيخ أبو سليمان في النصوص الفقهية والمصادر التاريخية، واستعان بالدراسات الجيولوجية وشهادات أهل الخبرة، محاولًا اختبار الصورة التي استقر عليها المكان عبر العصور. ومن أبرز ما أورده تقرير هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، الذي أشار إلى امتداد سطحي للصفا شرقًا بنحو ثلاثين مترًا، وللمروة بنحو واحد وثلاثين مترًا. وهذه المعطيات لم تنشئ حكمًا شرعيًا، لكنها دفعت إلى اختبار المقاسات التي نقلها بعض المؤرخين والفقهاء للمسعى: هل كانت تحديدًا تعبديًا لحده، أم وصفًا للواقع العمراني الذي كان قائمًا في زمانهم؟

ومن هنا يتضح الفرق بين الوصف التاريخي للمكان والحد الشرعي للمكان. فالمؤرخ قد يصف ما كان قائمًا أمامه، والفقيه قد ينقل ذلك الوصف باعتباره واقعًا معروفًا، لكن وصف الواقع لا يتحول بمجرد نقله إلى حد شرعي ثابت. وإذا تغيرت معالم المكان عبر القرون، فإن إعادة فحص ذلك الوصف تصبح جزءًا من تحرير موضوع الحكم.

وهنا تأتي وظيفة العلوم المساعدة في منهج البروفيسور أبي سليمان: الخريطة لا تفتي، والجيولوجيا لا تفتي، لكن كليهما قد يساعد الفقيه على معرفة ما الذي يفتي فيه. فالتاريخ والجيولوجيا وشهادة أهل الخبرة ليست مصادر للتشريع، وإنما أدوات للتحقق من الواقع الذي سينزل عليه الحكم.

وهذا هو «تحقيق المناط» في صورته العملية؛ إذ لا يكفي أن يكون الحكم محررًا في ذاته، بل لا بد من التحقق من انطباق موضوعه على الواقع المقصود. ومن ثم فإن تغير الاجتهاد لا يعني بالضرورة تغير الحكم؛ فقد يكون سببه تغير المعرفة بمحل الحكم.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم عنوان كتاب الشيخ أبي سليمان: «توسعة المسعى عزيمة لا رخصة». فالقضية عنده لم تكن البحث عن استثناء تبيحه الضرورة بسبب الزحام، وإنما إثبات أن الامتداد الذي شملته التوسعة داخل حدود المسعى في حقيقته؛ ومن ثم فإن السعي فيه ليس ترخيصًا استثنائيًا، بل أداء للشعيرة في موضعها.

ولأن المسألة متصلة بشعيرة، ظل الاحتياط حاضرًا في النظر إليها؛ فرأى بعض أهل العلم أن تحديد موضع العبادة لا يحتمل التوسع في الدلالة، وأن الصورة الموروثة للمسعى ينبغي أن تبقى هي الأصل ما لم يثبت خلافها بدليل قوي. لكن أهمية المسألة لا تتوقف على الاتفاق مع النتيجة أو مخالفتها، وإنما في السؤال المنهجي الذي أثاره أبو سليمان: هل الصورة العمرانية الموروثة هي نفسها الدليل على الحد الشرعي؟

وهنا تتجاوز القضية حدود المسعى إلى سؤال أوسع في صناعة الاجتهاد. فالواقع الذي ينزل عليه الحكم قد يكون تاريخيًا متغيرًا، أو عمرانيًا متبدلًا، أو متداخلًا مع معارف لا تستخرج من كتب الفقه وحدها. ولذلك فإن تحرير الواقع ليس عملًا خارجًا عن الفقه، متى كان المقصود منه تحقيق محل الحكم.

وربما تكمن فرادة الشيخ أبو سليمان في أنه لم يجعل الموروث خصمًا، ولم يجعل العلوم الحديثة بديلًا عن النص، وإنما وضع كل أداة في موضعها: النص مصدر للحكم، والتاريخ معين على فهم تطور المكان، والجيولوجيا وسيلة لاستكشاف طبيعته، وشهادة أهل الخبرة أداة للتحقق من الواقع، ثم يأتي الفقه ليجمع ذلك كله في عملية الاجتهاد.

ومن هنا تبدو قيمة هذا المنهج أبعد من قضية المسعى نفسها؛ فهو يذكّر بأن الفقه لا يبدأ دائمًا بالبحث عن الحكم، بل قد يبدأ بالبحث عن الحقيقة التي يتعلق بها الحكم. وفي هذه النقطة تحديدًا تتضح ملامح «فقه المكان» عند الشيخ أبي سليمان: معرفة المكان ليست مرحلة تسبق الفقه فحسب، بل قد تكون جزءًا من صميم العملية الفقهية.

وهنا يبدأ الفقه من المكان.

إلى اللقاء

كاتب رأي

 

 

 

عبدالعزيز الموسى

كاتب رأي وعضو التوجيه والإرشاد بالحرمين الشريفين سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.