حين تُقرأ النهضة من نهاياتها

حين تُقرأ النهضة من نهاياتها
بقلم: عبدالعزيز الموسى
في مقاله المنشور في صحيفة «الاتحاد» الإماراتية في 14 سبتمبر 2026، بعنوان «الطهطاوي من «محمد قطب» إلى «سفر الحوالي»، لا يتوقف الأستاذ البديع عبدالله بن بجاد العتيبي عند رفاعة رافع الطهطاوي بوصفه شخصية من شخصيات النهضة العربية، وإنما يفتح سؤالًا أوسع يتعلق بالطريقة التي أعادت بها الصراعات الفكرية اللاحقة تفسير تلك المرحلة وروادها. وهذه، في تقديري، هي القيمة الأهم في المقال؛ إذ لا يتعلق الأمر بتبرئة الطهطاوي من النقد، وإنما بتحريره من قراءة جاءت بعده، ثم عادت إلى عصره تبحث عن مقدمات نتائج لم تكن قد ولدت بعد.
والطهطاوي مثال واضح على هذه المشكلة. فهو ابن مرحلة كانت مصر فيها تدخل طورًا جديدًا من إعادة بناء الدولة والمؤسسات، في عهد محمد علي، وكانت أسئلة التعليم والترجمة والإدارة والتنظيم والعمران تتداخل مع مشروع بناء الدولة الحديثة. ومن الخطأ أن نفصل تجربته عن هذا السياق السياسي والمؤسسي، كما أن من الخطأ اختزالها فيه؛ فالرجل لم يكن مجرد موظف في مشروع الدولة، ولم يكن كذلك مفكرًا منفصلًا عن واقعه يبحث عن نموذج أوروبي جاهز لاستنساخه. كان رجل إصلاح يحاول أن يفهم ما الذي جعل مجتمعًا آخر يحقق تقدمًا في مجالات معينة، وما الذي يمكن نقله منه، وما الذي يحتاج إلى إعادة صياغة حتى يصبح صالحًا في بيئته.
وهنا ينبغي التوقف عند الفرق بين التعلم والاستنساخ. فالأمم لا تنهض لأنها تدير ظهرها لتجارب الآخرين، كما أنها لا تنهض بمجرد تقليدها. النهضة تبدأ حين تتحول معرفة الآخر إلى موضوع للفهم والنقد والاختيار. ولهذا فإن رحلة الطهطاوي إلى فرنسا، وما ترتب عليها من اهتمام بالترجمة والتعليم والنظم والإدارة، لا ينبغي أن تُقرأ تلقائيًا بوصفها انتقالًا من الإسلام إلى الغرب، أو من المحافظة إلى العلمانية. هذه قراءة تختصر تجربة مركبة في ثنائية لم تكن هي الإطار الذي تحرك فيه الرجل.
والأهم أن مفهوم «التنوير» نفسه لا ينبغي أن يُستخدم بطريقة تُسقط على القرن التاسع عشر تعريفات اكتملت لاحقًا. فالطهطاوي كان رجل نهضة وإصلاح قبل أن يكون موضوعًا في سجالات التنوير والعلمانية والتغريب التي أخذت صورتها اللاحقة في الفكر العربي. وحين نضعه داخل هذه التصنيفات بأثر رجعي، فإننا لا نفسر مشروعه بقدر ما نعيد تشكيله وفق أسئلتنا نحن.
وهنا تكمن المشكلة التي أشار إليها ابن بجاد في قراءته لموقف محمد قطب وسفر الحوالي من الطهطاوي. فحين تنظر تيارات فكرية إلى تاريخها من موقع نتائجها النهائية، يصبح من السهل أن تبحث عن البدايات التي يمكن تحميلها مسؤولية تلك النتائج. وقد يتحول الانفتاح على العلوم والنظم والتجارب الأوروبية من فعل إصلاحي في سياقه التاريخي إلى «مقدمة» لمسار تغريبي أو علماني، لا لأن النصوص الأولى قالت ذلك صراحة، وإنما لأن القراءة اللاحقة احتاجت إلى بناء سلسلة تاريخية تصل بين بدايات متباعدة ونتائج متأخرة.
وهذا النوع من القراءة لا يقتصر على الطهطاوي، وإن كانت حالته من أكثر الأمثلة وضوحًا. ويمكن أن نستحضر علي عبدالرازق، مع ضرورة الانتباه إلى أن المقارنة بين الرجلين لا تعني وحدة المشروع أو السياق. فالطهطاوي كان يتحرك في مصر القرن التاسع عشر، في ظل مشروع دولة ناشئة تبحث عن أدوات التحديث وإعادة التنظيم، بينما ظهر علي عبدالرازق في عشرينيات القرن العشرين، بعد سقوط الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة، وفي قلب أزمة سياسية وفكرية مختلفة جذريًا. الأول كان يواجه سؤال كيفية بناء مجتمع ودولة أكثر قدرة على النهوض، والثاني كان يناقش طبيعة الخلافة والسلطة السياسية في الإسلام.
ومع هذا الاختلاف الكبير، تكشف الحالتان عن آلية تستحق التأمل في تاريخنا الفكري: انتقال الخصومة من الفكرة إلى صاحبها. ففي حالة عبدالرازق لم يبق النقاش حول «الإسلام وأصول الحكم» محصورًا في حجج الكتاب ومصادره وتأويلاته، بل تجاوز ذلك إلى مساءلة صاحبه في مقصده وموقفه من الإسلام. وهنا يصبح الخلاف الفكري أكثر من اختلاف حول فكرة؛ إذ يتحول صاحبها إلى ممثل لمعنى أوسع مما قال، ويصبح من السهل أن تُستبدل مناقشة النص بمحاكمة صاحبه.
وليس المقصود من استحضار عبدالرازق القول إن تاريخ الطهطاوي انتهى إلى تاريخ عبدالرازق، أو أن الرجلين كانا على طريق فكري واحد؛ فهذا سيكون نوعًا آخر من القراءة بأثر رجعي. المقصود أن اختلاف السياقين يكشف شيئًا أعمق: أن المشكلة قد لا تكون دائمًا في الفكرة ذاتها، وإنما في الطريقة التي تُستقبل بها حين تدخل في صراع أيديولوجي. فحين يصبح التصنيف سابقًا على القراءة، لا يعود السؤال: ماذا قال هذا المفكر؟ بل: إلى أي معسكر يمكن وضعه؟ وماذا يمكن أن يترتب على الاعتراف بوجاهة بعض أفكاره؟
ومن هنا يمكن فهم جانب من العلاقة المتوترة التي نشأت لاحقًا بين بعض تيارات الإسلام السياسي وبين إرث النهضة. ولا يصح وضع هذه التيارات كلها في سلة واحدة؛ فهي متعددة في منطلقاتها ومواقفها، وبينها اختلافات واسعة في الفكر والممارسة. لكن بعض أدبياتها اتخذ موقفًا من المعرفة الحديثة يقوم على الحذر من مصادرها ونتائجها، وربط قبولها أحيانًا بالسؤال عمن يملك حق تفسير المرجعية الدينية التي ينبغي أن تُقاس عليها. وهنا تنتقل المسألة من نقد فكرة بعينها إلى سؤال أوسع: من يحدد حدود المقبول في التفكير والثقافة والتعليم والسياسة؟
وهذا هو موضع الصلة بمأزق احتكار المجال العام. فوجود الدين في المجال العام ليس مشكلة، ولا يمكن أن يكون كذلك في مجتمع تتشكل قيم وتصوراته ضمن مرجعية دينية وتاريخ ثقافي عميق. المشكلة تبدأ عندما يتحول حق المجتمع في الاحتفاظ بمرجعيته إلى حق حصري لجماعة أو تيار في تفسير تلك المرجعية، ثم يصبح هذا التفسير معيارًا وحيدًا للحكم على الأفكار والأشخاص والمؤسسات. وعندها لا يعود الخلاف حول مضمون الفكرة، بل حول سلطة تحديد ما يجوز أن يُناقش أصلًا.
إن النهضة العربية لا تحتاج اليوم إلى أسطرة رجالها، كما لا تحتاج إلى إدانتهم بأثر رجعي. تحتاج إلى قراءة تاريخية أكثر عدلًا: نرى فيها حدود مشاريعهم، وصلتها بالدولة، وتناقضاتها، وتأثرها بالظروف المحلية والدولية، ولكننا في الوقت نفسه لا نسلبها شجاعتها في فتح الأسئلة التي كانت المجتمعات العربية بحاجة إلى طرحها.
فالمشكلة ليست أن رواد النهضة أخطأوا أو أصابوا في كل ما قالوا؛ فهذا شأن آخر. المشكلة حين نقرأهم كما لو كانوا يعرفون مسبقًا المعارك التي ستنشب بعدهم بقرن، ثم نحاكمهم على ضوء نتائجها. إنصاف التاريخ يقتضي أن نقرأ الفكرة في لحظة ولادتها، وأن نفهم صاحبها ضمن أفق عصره، لا أن نجعله شاهدًا على معارك لم يعشها.
وربما هنا تكمن المفارقة الأعمق: رواد النهضة كانوا يريدون أن يفتحوا المجال أمام المعرفة، بينما جاء الإسلام السياسي يجادل حول من يملك الحق في تحديد ما يجوز وما لا يجوز أن تدخل به تلك المعرفة إلى المجال العام. |
كاتب رأي
