حين يغيّر الإرجاف اتجاه البوصلة

حين يغيّر الإرجاف اتجاه البوصلة
بقلم: عبد العزيز الموسى
❖ ❖ ❖
ليست كل معركة تدور في المكان الذي يبدو أنها تدور فيه، وليست كل قضية تتصدر المشهد هي القضية الأشد إلحاحًا. فقد يواجه المجتمع خطرًا يمس أمنه واستقراره، بينما تستحوذ خصومات داخلية على اهتمامه، وتستنزف سجالات متجددة طاقته في قضايا تتراجع أهميتها أمام ما يحيط به من تهديدات. هنا لا تكمن المشكلة في غياب الحقيقة، بل في موقعها من الوعي العام؛ إذ قد تبقى الوقائع واضحة، بينما تتغير الأولويات تحت ضغط الضجيج. وعند هذه النقطة يصبح السؤال: كيف يتحول الانتباه من إدراك الخطر إلى الانشغال بما يزاحمه؟
تتضح أهمية هذا السؤال حين تواجه المملكة العربية السعودية تهديدات الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران، وتتعرض المدن والمطارات والمنشآت المدنية للاستهداف. ففي مثل هذه الظروف، لا تقتصر حماية الأمن الوطني على التصدي للتهديد المادي، بل تشمل الحفاظ على وعي عام يميز بين درجات المخاطر، ويرتب القضايا بحسب أهميتها. فتماسك المجتمع لا يتحقق بمجرد اتفاق أفراده على مواجهة الخطر، وإنما يتطلب أيضًا ألا تستنزف الخصومات الجانبية قدرتهم على إدراكه ومتابعة مقتضياته.
من هنا تكتسب السجالات المتجددة حول تمكين المرأة والترفيه وتغير أنماط الحياة الاجتماعية دلالة تتجاوز موضوعاتها المباشرة. فقد حسمت الدولة خياراتها التنظيمية والسياسية في هذه الملفات، ومع ذلك تعود بعض النقاشات إليها في صورة معارك هوية مفتوحة، تستدعي الانقسام وتعيد إنتاج الخصومة. وليس الإشكال في مناقشة هذه القضايا، بل في تضخيمها وتحويلها إلى صراعات دائمة تزاحم الأولويات الوطنية. فحين تستأثر قضية اجتماعية بقدر من الاهتمام يفوق ما تقتضيه، لا تعود المسألة محصورة في مضمونها، بل تمتد إلى أثرها في ترتيب اهتمامات المجتمع.
ويتخذ هذا التحول صورة أكثر حساسية حين تقع جرائم تمس حرمة الدماء، كتفجير المساجد وقتل المصلين، ثم ينتقل النقاش من إدانة الجريمة ومساءلة مرتكبيها إلى التنازع حول هويتهم الدينية وخلفياتهم الفكرية. عندئذ يصبح الحدث نفسه مادة لاستئناف خصومات سابقة، وقد تتراجع الأسئلة المتعلقة بمسؤولية الجناة ومنع تكرار الجريمة أمام سجال يستثمرها في معركة أوسع. وهكذا تلتقي السجالات الاجتماعية والخصومات الدينية عند آلية واحدة: نقل مركز الاهتمام من فهم الواقعة ومقتضياتها إلى صراع على توظيفها.
ولا يلزم أن يكون وراء كل هذا التشتت فاعل واحد أو خطة موحدة. فالمنصات الرقمية تعمل وفق اقتصاد الانتباه؛ إذ تمنح الموضوعات المثيرة والمستقطبة فرصًا أكبر للانتشار، فيما يسعى بعض المؤثرين إلى صناعة الجدل واستدامة الحضور. وقد تنشأ السجالات، بهذا المعنى، من تلقاء ديناميات المنصات والجمهور، قبل أن تجد فيها التيارات الأيديولوجية فرصة لتجديد التعبئة أو استعادة النفوذ. لكن هذه الفروق في المنشأ لا تلغي أهمية النتيجة: قضية تتضخم، وخصومة تتجدد، وانتباه عام يتوزع على حساب ما هو أشد إلحاحًا.
هنا يتضح معنى الإرجاف في سياقه السياسي والاجتماعي. فهو ليس مجرد خبر كاذب أو كلام يثير الخوف، بل ممارسة تقوم على إثارة القلق أو تضخيم الخلاف أو إعادة تدوير الخصومة بما يربك إدراك المجتمع لما يواجهه. وقد يكون ذلك فعلًا مقصودًا، وقد يكون أثرًا تنتجه خطابات متفرقة تتقاطع نتائجها من دون تنسيق مباشر بينها. ولهذا ينبغي التمييز بين مجرد التزامن، الذي لا يثبت القصد، وبين نمط متكرر من الخطاب يمكن فحصه في ضوء توقيته ومضمونه وأثره. فالمعيار ليس ارتفاع الضجيج وحده، بل ما إذا كان الخطاب يضيء حقيقة الخطر أم يحجبها تحت تراكم الخصومات.
ومن تحليل الأثر ننتقل إلى فحص الجهات التي تنتج الخطابات أو تعيد توظيفها. وهنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته «فقه المرحلة» لدى الحركات الأيديولوجية؛ أي قدرتها على تغيير لغتها ووسائلها بحسب الظروف السياسية والاجتماعية. فقد يتراجع الخطاب الحركي الصريح، ويحل محله حديث عن المواطنة والتعايش والحقوق والمصلحة العامة. وقد يعكس ذلك مراجعة فكرية حقيقية، أو تكيفًا مع بيئة تغيرت فيها شروط التأثير. ولا تحسم المفردات الجديدة هذا الاحتمال أو ذاك؛ إنما يحسمه اتساق الخطاب مع المواقف، واستمرار هذا الاتساق حين تتغير الظروف.
ويظهر هذا الاختبار بوضوح في المواقف الوطنية عند الأزمات. فالمبادرة إلى موقف صريح حين يظهر الخطر تختلف عن تبني اللغة الوطنية بعد اتضاح اتجاهات المجتمع. ولا يكفي التأخر وحده للحكم على النيات، لكنه يصبح جديرًا بالفحص إذا تكرر ضمن نمط تتبدل فيه المواقف بحسب الظروف وموازين التأثير. فالمواطنة موقف يُختبر عند ظهور الخطر، لا لغة تُستدعى بعد أن تتضح اتجاهات المجتمع.
وبهذا المعيار يمكن تناول تيارات الإخوان المسلمين وامتداداتها الفكرية والحركية، من خلال أدبياتها ومواقفها وطرائق توظيفها للقضايا الدينية والاجتماعية في التعبئة السياسية. كما يمكن فحص أوجه التقاطع، حيثما توافرت الشواهد، بين بعض هذه التيارات والحوثيين في الخطابات أو المصالح أو المواقف من الدولة الوطنية. ولا يصح أن يحل التشابه محل الدليل، أو أن يُفترض تطابق المشاريع لمجرد تقارب بعض النتائج؛ لكن من المشروع دراسة الكيفية التي تسهم بها خطابات مختلفة في إرباك الأولويات أو إضعاف الثقة بالدولة الوطنية، متى دلّت الوقائع على ذلك. فالغرض ليس جمع الأطراف في صورة واحدة، بل فهم آليات التأثير وقياسها بما يصدر عنها من مواقف ونتائج.
إن الخيط الذي يجمع هذه القضايا ليس تطابقها، ولا صدورها بالضرورة عن جهة واحدة، بل تنافسها على تشكيل الوعي العام. فالسجال الاجتماعي قد يتحول إلى استقطاب، والحدث الأمني قد يُستثمر في خصومة فكرية، والخطاب السياسي قد يتبدل مع تغير الظروف؛ وفي كل حالة يصبح ترتيب الأولويات جزءًا من المسألة. ومن هنا تأتي ضرورة التمييز بين الاختلاف الطبيعي والتعبئة المستنزفة، وبين النقد الذي يكشف الوقائع والخطاب الذي يطغى عليها، وبين تقاطع الآثار وثبوت التنسيق.
إن حماية الوعي الوطني لا تعني إغلاق المجال العام أو تعطيل النقد، بل تعني ألا يتحول الجدل إلى بديل عن إدراك المخاطر، وألا تستولي القضايا المستنزفة على الاهتمام لمجرد قدرتها على إثارة الانفعال. فالإرجاف، حين ينجح، لا يحتاج دائمًا إلى تغيير الوقائع؛ يكفيه أن يغيّر ترتيبها في الوعي، وأن يجعل ما هو ثانوي يبدو أولى مما هو جوهري. والمجتمع الذي يحسن مواجهة الأخطار هو الذي لا يكتفي بمعرفة ما يهدده، بل يحمي قدرته على التمييز بين ما يستحق الانشغال وما يراد له أن يشغله، ويصون بوصلته حين تتكاثر الأصوات وتتزاحم الاتجاهات.
إلى اللقاء
كاتب رأي
