رشيد رضا.. الرجل الذي جعل الإصلاح يُقرأ

رشيد رضا.. الرجل الذي جعل الإصلاح يُقرأ
بقلم: عبدالعزيز الموسى
في الثالث والعشرين من سبتمبر 1865م، وُلد محمد رشيد رضا في القلمون من بلاد الشام. وتمر اليوم مئة وواحد وستون عامًا على ميلاد رجل ترك أثرًا يتجاوز الكتب التي ألّفها والمجلة التي أصدرها؛ لأنه أسهم في تغيير الطريقة التي تدخل بها الفكرة الدينية إلى الحياة العامة: من مجلس الشيخ إلى صفحات يقرأها الناس في مدن وأقطار متباعدة.
نشأ رشيد رضا في بيئة دينية تقليدية، لكنه لم يلبث أن اصطدم بأسئلة عصره. وكانت «العروة الوثقى» لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده من أهم المؤثرات في تكوينه المبكر، حتى وصف أثرها في نفسه بأنها «فعلت في نفسي فعل السحر». ثم التقى محمد عبده، وتوثقت بينهما الصلة، قبل أن ينتقل إلى القاهرة سنة 1898، حيث وجد المجال الذي كان يبحث عنه: علمٌ يتصل بالعصر، وقلمٌ يخاطب جمهورًا أوسع.
ومن هنا جاءت «المنار». صدر عددها الأول سنة 1898، ولم تكن في تصور رضا مجلة لنشر المقالات فحسب؛ فقد تحولت إلى مشروع فكري واسع يجمع التفسير والفتوى والمناقشة وقضايا التعليم والاجتماع والسياسة. كان السؤال الذي يصل من قارئ في بلد يتحول إلى مادة يقرؤها قراء في بلدان أخرى، وكانت الفتوى التي تبدأ جوابًا عن مسألة خاصة تدخل في نقاش عام. بهذا المعنى، جعل رضا الإصلاح قابلًا للانتشار والقراءة والمراجعة، وأصبح القارئ شريكًا في صناعة الأسئلة، لا مجرد متلقٍ لجواب الشيخ.
وعلاقته بمحمد عبده لا تختصرها عبارة «التلميذ والأستاذ». فقد كان رضا قريبًا من مشروع عبده، يدون دروسه ويحررها وينشرها، لكنه بعد وفاة أستاذه لم يكتفِ باستكمال ما بدأه، بل أعاد تشكيل جانب منه. ولهذا جاء «تفسير المنار» نصًا مركبًا: فيه أثر واضح لمحمد عبده، وفيه كذلك شخصية رشيد رضا وتطورها الفكري. وقد صرّح رضا بأنه خالف أستاذه بعد وفاته في التوسع في الاستدلال بالسنة الصحيحة وبعض مسائل التفسير واللغة والفقه.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات مشروعه: لم يكن التجديد عنده قطيعة مع التراث، وإنما محاولة لإعادة تشغيله في مواجهة أسئلة جديدة. دعا إلى الاجتهاد ونقد التقليد الجامد، لكنه لم يدعُ إلى إسقاط المذاهب أو إلغاء التراث الفقهي. وفي فتاواه ومناقشاته تناول مسائل فرضتها تحولات المجتمع، محاولًا أن يربط الحكم بأصوله الشرعية وبالواقع الذي ينـزل عليه. وكان هذا من أسباب اتساع تأثيره، ومن أسباب الخلاف حول بعض اجتهاداته أيضًا.
ولذلك فإن نقد رشيد رضا يحتاج إلى قدر من الدقة. فليس صحيحًا وصفه بأنه «منكر للسنة» بإطلاق؛ فقد كان شديد العناية بالسنة الصحيحة، وصرح بأنه توسع في الاستدلال بها بعد وفاة عبده. لكن له اختيارات حديثية أثارت اعتراضات، خصوصًا في تعامله مع بعض الأخبار، وحدود قبولها، ودور العقل في فهمها وتأويلها. كما أخذ بعض النقاد على «تفسير المنار» تأويل بعض المعجزات، ورد بعض الأحاديث، والانفراد في بعض المسائل. وفي المقابل، كان التفسير نفسه يحاول مقاومة الإسرائيليات والخرافات، والاعتماد على القرآن واللغة والسنة وأقوال السلف، وربط الهداية القرآنية بما سماه «سنن الله» في الاجتماع والعمران.
ويكشف موقفه من داروين ونظريته عن هذه العلاقة المركبة بين النص والعقل والعلم الحديث. فقد ناقش النظرية في «المنار»، وتناول ما أثارته من أسئلة حول أصل الإنسان والطبيعة، فلم يتعامل معها كحقيقة مكتملة لا تقبل النقد، ولم يرفض السؤال العلمي لمجرد أنه جاء من الغرب. كان يحاول أن يميز بين النظرية العلمية وبين ما قد يُبنى عليها من تصورات فلسفية ومادية، وأن يبحث عن مساحة يمكن فيها التعامل مع المعرفة الحديثة دون التخلي عن أصول الاعتقاد. وقد خصصت «المنار» بالفعل مواد مباشرة لمناقشة «نظرية داروين والإسلام».
أما الماسونية، فهي من القضايا التي تحتاج إلى فصل بين التاريخ والاتهام. فقد ارتبط بعض رموز الإصلاح في عصر رضا بها، وأثيرت روايات حول صلة الأفغاني وعبده بها، ثم امتدت بعض الاتهامات إلى رضا نفسه. لكنه نفى دخوله الماسونية، وكتب عنها في «المنار» ناقدًا ما رآه من أخطارها، ولذلك لا يصح تحويل مجرد الاتهام إلى حقيقة تاريخية. والأهم أن موقفه منها يكشف أن علاقته بالإرث الإصلاحي السابق لم تكن مجرد تبعية؛ كان ينتقي منه ويجادله ويعيد النظر فيه.
ثم انتقل مشروعه إلى أسئلة الدولة والخلافة والشورى والعلاقات بين المسلمين والعالم. ويكفي أن نستحضر كتابه «الخلافة أو الإمامة العظمى» لندرك أن اهتمامه لم يعد مقصورًا على إصلاح الفقه والتفسير، بل اتسع إلى سؤال النظام السياسي ومستقبل العالم الإسلامي. وهنا أصبح «المنار» مرآة لمرحلة مضطربة تتداخل فيها أسئلة الدين والدولة والاستعمار والتعليم والنهضة.
لهذا يصعب وضع رشيد رضا في خانة واحدة. فهو امتداد لمحمد عبده، لكنه ليس نسخة منه؛ ومدافع عن السنة، مع اختيارات حديثية أثارت الخلاف؛ ومجدد في الفقه، من غير قطيعة مع التراث؛ ومنفتح على أسئلة العلم، من غير أن يقبل أن تتحول المعرفة الحديثة إلى مرجعية وحيدة؛ ومشتغل بالسياسة، من غير أن يفصلها عن الإصلاح الديني والتعليمي.
وتبقى أهميته التاريخية في هذه القدرة على تحويل الفكر من مادة تُتداول في حلقات محدودة إلى قضية عامة تُقرأ وتناقش ويختلف حولها. لم يجعل رشيد رضا الإصلاح أكثر انتشارًا فحسب، بل جعل الخلاف حول الإصلاح جزءًا من الحياة الفكرية نفسها. ومن صفحات «المنار» يمكن أن نرى لحظة مهمة في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث: لحظة أصبح فيها العالم مطالبًا بأن يجيب عن قارئ بعيد، وعن علم جديد، وعن مجتمع متغير، وعن أسئلة الدولة والسياسة.
وهنا تكمن مفارقة تجربته: لم يكن أثره في أن كل ما قاله بقي مقبولًا، وإنما في أنه جعل ما يقوله قابلًا للنقاش بعد أن كان يُتلقى في إطار أضيق. ولذلك بقي رشيد رضا حاضرًا لا بوصفه صاحب أجوبة نهائية، بل بوصفه أحد أبرز الذين نقلوا الإصلاح من مجلس الشيخ إلى المجال العام، وجعلوا الفكر الديني الحديث يدخل عصر الصحافة، حيث لا تكفي الفكرة أن تُقال؛ بل عليها أن تُقرأ، وأن تواجه قارئًا يسأل، وناقدًا يعترض، وعصرًا لا يتوقف عن تغيير أسئلته.
إلى اللقاء
كاتب رأي
