كُتاب الرأي

حين يصنع التعليم سفراء

حين يصنع التعليم سفراء

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

في عالم تتنافس فيه الدول على بناء النفوذ وكسب القلوب قبل المصالح، لم يعد التعليم مجرد وسيلة لنقل المعرفة أو منح الشهادات، بل أصبح أحد أهم أدوات القوة الناعمة وصناعة الحضور الحضاري للأمم. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى تجربة المملكة العربية السعودية في استقطاب الطلاب الدوليين بوصفها واحدة من أنجح التجارب التعليمية ذات الأثر الإنساني والثقافي الممتد عبر القارات.

فعلى مدى عقود، فتحت المملكة أبواب جامعاتها لآلاف الطلاب القادمين من مختلف دول العالم، ليتلقوا العلم في بيئة علمية وثقافية متميزة، ويعيشوا تجربة معرفية وإنسانية متكاملة. ولم يكن الهدف مقتصرًا على تخريج متخصصين في مختلف المجالات، بل تجاوز ذلك إلى بناء جسور من التواصل والتفاهم بين المملكة وشعوب العالم، حتى أصبح كثير من هؤلاء الخريجين سفراء حقيقيين للمملكة في أوطانهم.

وتبرز جامعة أم القرى في مقدمة هذه المؤسسات التعليمية الرائدة، بحكم موقعها في مكة المكرمة، مهبط الوحي وقبلة المسلمين. فالطالب الذي يدرس في رحاب هذه الجامعة لا ينهل من العلوم والمعارف فحسب، بل يعيش تجربة استثنائية في مدينة تهفو إليها أفئدة المسلمين من كل مكان. ولذلك يعود كثير من خريجيها إلى بلدانهم وهم يحملون تقديرًا عميقًا للمملكة ورسالتها ومكانتها الدينية والحضارية.

كما أسهمت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في أداء دور محوري في إعداد الكفاءات العلمية والفكرية والدعوية، من خلال برامجها الأكاديمية المتنوعة وشراكاتها الدولية الواسعة. وقد خرجت أجيالًا من الطلاب الذين أصبحوا عناصر فاعلة في مجتمعاتهم، وأسهموا في نشر قيم الوسطية والاعتدال وتعزيز الحوار والتفاهم بين الثقافات.

أما الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فقد شكلت نموذجًا فريدًا في التعليم الدولي، إذ استقبلت منذ تأسيسها طلابًا من عشرات الجنسيات، وعاد خريجوها إلى بلدانهم ليعملوا في مجالات التعليم والقضاء والإرشاد والعمل المؤسسي والقيادة المجتمعية. وأصبح كثير منهم رموزًا علمية وأكاديمية مؤثرة، وأسهموا في تأسيس جامعات ومدارس ومراكز علمية ومؤسسات اجتماعية كان لها أثر ملموس في مجتمعاتهم.

وتؤكد التجارب العالمية أن الطالب الدولي يمثل استثمارًا طويل الأمد للدولة التي يتلقى تعليمه فيها. فالذكريات التي يحملها، والعلاقات التي يبنيها، والقيم التي يكتسبها خلال سنوات الدراسة، تظل حاضرة في مسيرته المهنية والإنسانية لعقود طويلة. ولهذا تحرص الجامعات الكبرى في العالم على استقطاب الطلاب الدوليين، إدراكًا منها أن تأثيرهم المستقبلي يتجاوز حدود القاعات الدراسية.

ومن هنا تتجلى أهمية برامج المنح الدراسية التي تقدمها المملكة. فالطالب الوافد لا يعود إلى وطنه حاملًا شهادة جامعية فقط، بل يحمل صورة متكاملة عن المجتمع السعودي، وعن ما لمسه من كرم الضيافة، وجودة التعليم، والتطور التنموي، والاستقرار، والانفتاح على العالم. وهذه الصورة تنتقل بدورها إلى أسرته ومجتمعه ومؤسسات بلده، فتتحول إلى جسر من الثقة والتواصل بين الشعوب.

إن الاستثمار في الطلاب الدوليين هو استثمار في الإنسان أولًا، وفي العلاقات الدولية ثانيًا، وفي مستقبل التأثير الحضاري ثالثًا. فكل خريج يحمل تجربة إيجابية عن المملكة يمثل نافذة جديدة تُفتح لها في العالم، وكل علاقة علمية تنشأ داخل الجامعة قد تتحول مستقبلاً إلى شراكة أكاديمية أو اقتصادية أو ثقافية بين الدول.

وفي ظل رؤية المملكة 2030 يكتسب هذا الدور أهمية مضاعفة، حيث تسعى المملكة إلى تعزيز مكانتها كوجهة تعليمية عالمية، واستقطاب العقول والكفاءات، وتوسيع حضورها الدولي عبر التعليم والبحث العلمي والابتكار. ومن هنا فإن الجامعات السعودية لا تؤدي رسالة تعليمية فحسب، بل تشارك في صناعة صورة المملكة الحديثة وتعزيز حضورها العالمي.

لقد أثبتت التجربة أن الجامعات العظيمة لا تخرج طلابًا فقط، بل تصنع سفراء. وسنوات الدراسة التي يقضيها الطالب في المملكة قد تكون أبلغ أثرًا من كثير من وسائل التواصل والتعريف. وحين يعود إلى وطنه حاملًا العلم والتقدير والمحبة، فإنه يصبح رسولًا للمعرفة، وسفيرًا للقيم، وجسرًا للتواصل بين الشعوب. وهكذا يواصل التعليم أداء رسالته النبيلة، ليس في بناء العقول فحسب، بل في بناء الصداقات وصناعة السفراء.

كاتب رأي

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.