كُتاب الرأي

الأيام… رأس مال الحياة

الأيام… رأس مال الحياة

بقلم: بكري بن معتوق عساس

يُنسب إلى الحسن البصري رحمه الله قوله: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك»، وهي عبارة موجزة تختصر حقيقة العمر الإنساني؛ فالإنسان ليس مجرد سنوات تُحصى، بل هو مجموعة من الأيام والساعات التي تتشكل منها حياته وتُبنى بها إنجازاته وذكرياته.

ليست الأيام أرقامًا تتعاقب على صفحات التقويم، بل هي فرص متجددة يمنحها الله للإنسان ليعمل ويتعلم ويُحسن إلى نفسه وإلى الآخرين. فكل صباح يحمل بداية جديدة، وكل مساء يطوي صفحة من العمر لن تعود مرة أخرى. ومن هنا تنبع قيمة الوقت؛ إذ إنه المورد الوحيد الذي لا يمكن تعويضه أو استرجاعه مهما امتلك الإنسان من مال أو جاه.

وقد أدرك الناجحون والعظماء عبر التاريخ هذه الحقيقة، فكانوا أشد الناس حرصًا على أوقاتهم. فالعلماء ألّفوا الكتب وخلّدوا آثارهم باستثمار ساعاتهم، والمبدعون صنعوا إنجازاتهم بالمثابرة اليومية، وأصحاب الرسالات تركوا بصماتهم لأنهم أحسنوا استغلال أعمارهم فيما ينفع الناس.

إن الخسارة الحقيقية لا تتمثل في فقدان المال أو ضياع بعض الفرص، بل في مرور الأيام دون أثر طيب أو علم نافع أو عمل صالح. فالعمر لا يُقاس بطوله، وإنما بما يحتويه من معنى وعطاء. وربما عاش إنسان سنوات قليلة لكنها كانت مليئة بالإنجاز والخير، بينما قد تمتد حياة آخر طويلًا دون أثر يُذكر.

ومن أجمل ما يعين على استثمار الأيام وضع أهداف واضحة، وتنظيم الوقت، والحرص على التعلم المستمر، وصناعة الذكريات الجميلة مع الأسرة والأصدقاء، والإسهام في خدمة المجتمع. فالأعمال الصغيرة المتراكمة تصنع مع الزمن إنجازات كبيرة، والكلمة الطيبة قد تبقى أثرًا خالدًا في النفوس سنوات طويلة.

لذلك اجعل يومك إضافة إلى حياتك لا خصمًا منها، وازرع في كل يوم قيمة جديدة أو معرفة نافعة أو عملًا صالحًا. وعندما ندرك قيمة الأيام، ندرك أن الحياة نفسها ليست سوى مجموعة من اللحظات التي تستحق أن تُعاش بوعي ومسؤولية وأمل، وأن خير ما يتركه الإنسان بعد رحيله أثرٌ جميل وذكرٌ حسن يبقى في القلوب.

كاتب رأي 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.